شبكة الهدهد

معهد القدس للاستراتيجية والأمن/ العقيد احتياط "عيرن ليرمان"

في العقود الأخيرة -وبقوة أكبر منذ أن جرى نقل "إسرائيل" إلى مسؤولية القيادة الوسطى الأمريكية (CENTCOM) في عام 2020-، لعبت المؤسسة الأمنية الأمريكية دوراً مركزياً وإيجابياً في تشكيل موقف واشنطن تجاه "إسرائيل"، وتنعكس مساهمتها في الموقف الأمريكي من القضايا التي في صلب الحوار بين البلدين وعلى رأسها المشروع النووي الإيراني، ويساهم في ذلك التقارب المتزايد بين "إسرائيل" ودول الخليج، التي تتولى القيادة الأمريكية الوسطى -منذ إنشائها في الثمانينيات- مسؤولية أمنها وحمايتها، كما يشير قرار الرئيس "بايدن" بالإبقاء على الحرس الثوري في قائمة "المنظمات الإرهابية" والذي يبدو أنه تأثر بموقف وزارة الدفاع الأمريكية بشأن هذه القضية، إن هذا التقارب له تداعيات بعيدة المدى تتماشى مع المصلحة القومية "الإسرائيلية"، ومع ذلك فإن خصائص الأزمة مع إيران تتطلب أيضاً توازناً دقيقاً بين تعزيز الروابط الأمنية والحفاظ على حرية "إسرائيل" في العمل عند الضرورة.

خلفية تاريخية

في النقاش المصيري حول الاعتراف بـ "الدولة اليهودية" في (مايو) 1948، ثم في العقود الأولى بعد إنشاء "الدولة"، كانت وزارة الدفاع الأمريكية ومعها المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية محور المعارضة الشديدة "لإسرائيل" وتكوين "علاقات خاصة" معها، أولاً وقبل كل شيء كان هذا الموقف مدفوعاً بالرغبة في تعزيز العلاقات الأمنية مع الدول العربية وضمان إمدادات النفط خلال فترات الذروة في الحرب الباردة.

بدأ الاتجاه يتغير منذ عدة عقود، أولاً بسبب إثبات القيمة الاستراتيجية "لإسرائيل" في حرب الاستنزاف (1968-1970) وأزمة الأردن (1970)، ثم عندما واجه البلدان تحديات مشتركة من بينها السلوك السوري في لبنان والتخريب الإيراني في المنطقة، الاعتراف بأن "إسرائيل" عامل مساهم ومساعد - وأنها ذخر وليس عبئاً - أكسبها أو منحها تدريجياً موطئ قدم لدى المستويات الميدانية للنظام العسكري الأمريكي أيضاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن "إسرائيل" قد زودت الولايات المتحدة بحلول عملية للقضايا التي أصبحت ذات صلة بالحرب -التي أدارتها القيادة الوسطى الأمريكية في العراق عام 1991، وفي أفغانستان عام 2001 ومرة أخرى في العراق عام 2003.

ما الذي يدفع المؤسسة الأمنية الأمريكية لتعزيز العلاقات مع "إسرائيل"؟

 يعمل نظام الأمن العسكري الأمريكي انطلاقاً من الإدراك منذ سنوات طويلة بأن "إسرائيل" لديها قاعدة دعم قوية في "الكونجرس" -على الرغم من النبرة العدائية الحالية على هامش الحزب الديمقراطي- ومشاريع مشتركة من المتوقع أن تحصل هي أيضاً على الدعم والتمويل، وكان هذا هو الدافع أيضاً عام 1983 لدعوة "إسرائيل" للمشاركة في مشروع "الدفاع الصاروخي" - SDI، أو باسمه الشعبي - "حرب النجوم"، واليوم، فإن الالتزام بالحفاظ على التفوق النوعي "لإسرائيل" (QME) ومكانتها كشريك "خاص" في جميع الأمور المتعلقة بالمشاريع التكنولوجية بما في ذلك مجالات الدفاع الصاروخي و"السايبر" وغيره، منصوص عليها في تشريعات الكونجرس المفصلة.

لكن حتى بدون النفوذ السياسي الذي تتمتع به "إسرائيل" على الساحة الأمريكية هناك اعتبارات أخرى تؤدي إلى ترسيخ العلاقات:

1- في قائمة طويلة من القضايا لدى "إسرائيل" ما تقدمه للنظام العسكري وحتى أكثر من ذلك لمجتمع الاستخبارات الأمريكي، والحديث هنا يدور عن حلول تقنية في ساحة المعركة مثل "القبة الحديدية" التي تم تجهيز الجيش الأمريكي بها، وفكرة الحماية الفعالة وتحييد العبوات المتفجرة الجانبية والمزيد، أصبح للتعاون في مجالات البحث والتطوير الأمني بين البلدين الآن أطراً رسمية يتم إجراؤه من خلالها، أيضاً على المستوى النظري، فإن الإثراء المتبادل مهم في ضوء الخبرة المتراكمة والفريدة من  نوعها لدى الجيشين، "إسرائيل" هي أول دولة تشغل طائرة "35-F" في خطط عملياتية، وتنعكس مساهمتها في مناورات العلم الأزرق، وعقد لقاء للقوات الجوية التي تشغل الطائرة "35-F" في قاعدة "نبطيم" في (نوفمبر) 2021، نظام متنامٍ من المناورات المشتركة يزداد توطداً: ومنذ الانتقال إلى منطقة مسؤولية القيادة الوسطى الأمريكية عززت بعض الأنشطة العملياتية أيضاً إحساساً بالتقارب الذي له أيضاً أبعاد أخلاقية وثقافية.

2- لعقود من الزمان وبعد إعلان عقيدة كارتر رسمياً في عام 1980 (في أعقاب الغزو السوفيتي لأفغانستان والثورة في إيران) وإنشاء القيادة الوسطى الأمريكية من قبل إدارة "ريغان" في عام 1983، وتتعهد الولايات المتحدة بحماية دول الخليج من أي عدوان، هذا هو جوهر مهمة القيادة الوسطى ويرجع سبب ذلك إلى قضايا سوق النفط؛ حتى لو أصبحت الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى مُصدراً صافًيا للطاقة، فإن مكانتها الاستراتيجية في الخليج تمنحها نفوذاً ذا أهمية كبيرة في مواجهة الأصدقاء والأعداء على حد سواء، في نظرة إلى السنوات القادمة. وبطبيعة الامور يُترجم هذا الالتزام أو التعهد أيضاً إلى الإصغاء لمخاوفها - وفي الواقع للمخاوف الوجودية - للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وشركائهم في كل ما يتعلق بتوازن القوى الإقليمي، في السنوات السابقة ولأسباب إيديولوجية - قومية ومصالح شخصية سويا، قدمت دول الخليج لمحاوريها الأمريكيين موقفاً رسمياً مناهضاً "لإسرائيل" (على الرغم من أن أحدها على الأقل كان لديه علاقات سرية مع "إسرائيل" منذ سبعينيات القرن الماضي). الكويت مستمرة على طول الخط المعادي "لإسرائيل". ومع ذلك بالنسبة للإمارات والبحرين ومن وراء الكواليس السعودية تغيرت الأمور بشكل كبير في العقد الماضي، في قائمة طويلة جداً من القضايا الحيوية لا توجد خلافات في الرأي بين "إسرائيل" والدول الرئيسية في الخليج، على العكس من ذلك: فهم يرون مواقفها بل وأكثر من ذلك في أفعالها، مثل "المعركة بين الحروب" في سوريا وخارجه" على أنها دعم استراتيجي ضد عدو مشترك.

3- هذا العدو - في نظرهم وفي نظر "إسرائيل" - هو النظام في إيران، في هذه النقطة يلاحظ أهمية خاصة لموقف النظام العسكري الأمريكي كعامل في استمرار التقلبات السياسية في السنوات الأخيرة، من "بوش" إلى "أوباما" ومن "ترمب" إلى "بايدن"، بينما ركزت القيادة السياسية في ولاية "أوباما" الثانية وإلى حد ما أيضاً في ولاية "بايدن" الأولى على الفرص الكامنة في المفاوضات والتسوية مع إيران، استمرت المنظومة الامنية الأمريكية في رؤية النظام في طهران على أنه عدو واضح، هذا لأنها صاحبة تجربة مريرة من سنوات الحرب في العراق، وحتى قبل ذلك من أحداث مثل اختطاف الدبلوماسيين عام 1979 والهجمات على السفارة الأمريكية ومقر قوات "المارينز" في بيروت في مارس وأكتوبر 1983.

ومن هذا المنطلق هي تواصل كونها شريكاً بدرجات متفاوتة من الجرأة والاستمرارية في العمل ضد النظام الإيراني الذي يحدث بعضه بالتعاون مع "إسرائيل"، مثل عملية "السايبر" (Olympic Games)، الألعاب الأولمبية، والبعض الآخر من خلال العمل المباشر مثل اغتيال سليماني، ويبدو على هذه الخلفية وفي ظل الصورة الاستخباراتية، التي ساهمت "إسرائيل" أيضاً في تشكيلها فيما يتعلق بنشاطات "فيلق القدس" -الوحدة 840 وعناصر أخرى-، والنظام الإيراني للمس ليس فقط بمصالح أمريكا، ولكن أيضاً بضباط أمريكيين، لعبت وزارة الدفاع دوراً رئيساً في قرار الرئيس "بايدن" بعدم الاستجابة للإملاء الإيراني فيما يتعلق بشطب الحرس الثوري من "قوائم الإرهاب".

أهمية التعاون وحدوده: الخطة (ب) وما بعدها

كل ما ذكر أعلاه يثبت الأهمية القصوى لتوثيق التعاون على جميع المستويات، والحديث هنا من يدور عن نقاش استراتيجي يجري عادة كل عام بين أركان القوات الامريكية والأمن القومي، بالإضافة إلى حوار بين وزير الجيش "غانتس" ووزير الدفاع "لويد أوستن"، الذي يعرفه جيداً من فترة تولي الأخير منصب قائد القيادة الوسطى الأمريكية في الوقت الذي كان فيه "غانتس" رئيساً للأركان، ولأسباب سياسية - كونه أول وزير دفاع أمريكي من أصل أفريقي، واعتماد "بايدن" على هذا المكون الديموغرافي في المشهد السياسي الأمريكي - يجعل أوستن يتمتع بثقل فريد في الإدارة الامريكية الحالية.

يضاف إلى هذه القائمة الاجتماعات المنتظمة والمتكررة بين قادة الأنظمة العسكرية في البلدين، بما في ذلك زيارات قائد القيادة الوسطى وكبار ضباطها إلى البلاد، في السنوات الأخيرة كما ذكرنا، توسع نشاط التدريبات المشتركة في خطط مختلفة بشكل كبير، حتى تلك التي تعكس رؤية إيران كعدو، كما ذكرنا، فإن دمج "إسرائيل" في منطقة مسؤولية القيادة الوسطى يسمح للقيادة الأمريكية بأن تقود إلى دمج العناصر البحرية وغيرها في الأنشطة العملياتية، بما في ذلك في البحر الأحمر إلى جانب الدول العربية الشريكة في "الاتفاقيات الإبراهيمية"، كل هذا، إلى جانب التعاون الاستخباراتي المكثف واليومي الذي يخدم مصالح البلدين.

من وقت لآخر، تظهر نقاط احتكاك أيضاً في إطار هذا التعاون الوثيق، الاستياء في "إسرائيل" من التسريب حول ملابسات مقتل ضابط الحرس الثوري في وسط طهران له ما يبرره، رغم عدم وجود سبب لافتراض أن هذا في الواقع جاء بتوجيه من القيادة السياسية الأمريكية.

 هناك عناصر أكثر من كافية في النظام الأمريكي غير مرتاحة للقرب من "إسرائيل" والأفعال المنسوبة إليها، على أي حال، فإن الأزمة المتنامية في مواجهة احتمال انهيار مفاوضات "فيينا"، ويرجع ذلك جزئياً إلى الموقف الثابت لوزارة الدفاع الامريكية، إلى جانب تسريع تقدم إيران نحو دولة عتبة نووية، يستلزم في المدى القريب توازن دقيق ومُدار بعناية في القيادة السياسية العليا بين نظامين من الاعتبارات:

1- من ناحية، تعميق وتوسيع التعاون مع جميع جهات النظام ذات الصلة في في الولايات المتحدة فيما يتعلق بخطط العمل المشتركة، والدعم المبدئي من دول الخليج ولكن ليس بالضرورة بمشاركة فردية من جانبها، فيما يشار إليه أحياناً باسم "الخطة ب"، وما وصفه رئيس الوزراء خلال زيارته للولايات المتحدة بـ"الموت بألف جرح صغير": وهو نشاط مستمر وتطفلي لتعطيل المعدات النووية وتعطيل قدرات الإطلاق وتحييد جوانب أخرى من النشاط الإيراني في زعزعة الاستقرار الإقليمي.

2- من ناحية أخرى، ضمان ألا يصبح العناق أو الحضن الأمريكي قبضة تسلب من "إسرائيل" في يوم الحرب، وعندما تتمكن من إثبات أنه ليس لديها خيار آخر القدرة على التصرف بمفردها ووفقاً لتقديرها واعتباراتها، زيارة رئيس الولايات المتحدة "لإسرائيل" -والرسائل التي من المتوقع أن يسمعها حول هذا الموضوع من محاوريه في الخليج- هي فرصة لتوضيح هذه النقطة، إلى جانب توسيع وتعميق التعاون المستمر، في الحساب الأخير حتى للولايات المتحدة - في السياق الإيراني وعلى المستوى المبدئي - "إسرائيل" ليس لديها مصلحة في أن تظهر كمن تخضع للإملاءات الأمريكية.