قدرات العدو.. حديث في الموقف والأصول
شبكة الهدهد- كتب: عبد الله أمين
أولاً: بين يدي الحديث:
تُقيّم قوة دولة ما بما تملك من قدرات بشرية ومادية، حيث تتضمن هذه القدرات عناصر من قبيل: مساحة الدولة، عدد سكانها، وضعها الاقتصادي وما تملك من موارد وأصول تحت هذا العنوان، كما يتم التركيز على قدرات الدولة العسكرية، والعلمية، وغيرها من عناصر القدرة ومقوماتها.
وفي ذات السياق؛ يتم الحديث عن نقاط قوة وضعف العدو، ومكامن الضرر عنده، وهنا يحصل الخلط الناتج عن عدم توضيح، أو تحرير المفاهيم. إن نقاط قوة أي دولة أو كيان سياسي، هي ما تملكه هي بذاتها وبشكل عضوي من عناصر القوة، ومصادر القدرة، وليس ما يمكن أن تحصل عليه من خلال علاقاتها الخارجية؛ إقلمية كانت أو دولية. كما أن نقاط ضعفها، هي تلك الأمور المتعلقة ببنيتها العضوية؛ المادية والبشرية.
وفي سياق الحديث عن نقاط الضعف ومكامن الضرر؛ يجب عدم الخلط بين المفهومين، فالأول ــ نقطة الضعف ـــ هي أمور يمكن وضع برامج عمل، وتحديد إجراءات لتقويتها، وتحويلها إلى نقاط قوة، كأن تكون أحد نقاط ضعف الدولة مثلاً: نقص في القدرات البشرية المؤهلة في القوات المسلحة، عندها توضع برامج تجنيد وتأهيل لتعويض هذا النقص، وزيادة العديد وتأهيله، فتسقط نقطة الضعف هذه، ويتم التخلص منها.
أما فيما يخص مكامن الضرر؛ فإن هذه الأمور من النوع غير قابل للترميم، أو التقوية، ولا يصلح معها سوى الستر، والإخفاء عن نظر العدو، فلا يوجه لها وسائط قدرته، فينفذ منها لتسديد ضرباته، إن مكامن الضرر؛ أمورٌ أصيلة غير قابلة للتغير، يؤدي ظهورها أمام العدو إلى منحه فرصة يغتنمها في سياق تحقيق أهداف حربه، كأن تكون الدولة فاقدة للعمق الإستراتيجي مثلاً.
ثانياً: محددات الموقف:
قبل الحديث عن قدرات العدو، يجب الإشارة إلى مجموعة من النقاط والملاحظات، التي تشكل محدداتٍ للموقف محل البحث، يجب أخذها بعين الاعتبار، ومن أهمها ما يلي:
-
نحن أمام عدو غير منضبط بضوابط، ولا يخضع لقوانين، ولا تهمه أو تعنيه الأعراف، فالهدف عنده يبرر الوسيلة.
-
المبادرة للفعل، والخروج لإحباط التهديد، والتعامل معه في مهده، وقبل أن يتبلور، أو يخرج إلى حيز التنفيذ، أصبح ركناً رئيسياً في العقيدة الأمنية للعدو.
-
يقاتل العدو في معارك صفرية، لذلك فخيارات عمله مفتوحة، ويجب توقع كل شيء منه.
-
للعدو حلفاء إقليميون ودوليون، يتقاطع معهم في كثير من النقاط، ويلتقي معه على كثير من المصالح، لذلك سوف يهبون لنجدته في الوقت الذي يطلب، أو يصرخ.
-
يجب التعامل مع العدو على أنه يعمل ضمن منظومة عمل؛ دولية وإقليمية، يتقاسم معها الأدوار والمواقف، وعليه يجب عدم الفصل عند التعامل مع تهديد العدو بين الأصيل والوكيل.
-
يجب إرسال رسائل للعدوين؛ الأصيل والوكيل، مؤداها أن الإنضباط في الفعل سيواجه بالإنضباط في الإجراء، وأن التحلل من الضوابط، سيواجه بتحلل مقابل، هذا فيما يعني العدو الأصيل. أما الوكلاء فيجب أن يُفهموا أن التدخل في الصراع، يعني التورط في الحرب وتحمل تبعاتها، بصرف النظر عن طبيعة إجراء المعاونة أو المساعدة الذي يُنجد فيه العدو الأصيل.
ثالثاً: قدرات العدو:
لا شك أن العدو يمتلك من القدرات النارية، ما أثبت فعالية عالية، ومصداقية مشهود لها، رأينا أثرها تدميراً، وتحييداً لأهداف، وعليه لن نخوض في عد أو إحصاء قدارت العدو وصفاتها ومواصفاتها بالتفصيل، ولكن سنشير إلى مركز ثقل هذه القدرات، والتي أطالت يد العدو التدميرة، حتى وصلت العاصمة الإيرانية طهران، فعاثت فيها فساداً، حيث يحوز مركز الثقل هذا عنصريين فاعلين:
الأول: سلاح الجوي؛ المسير والمأهول:
حيث يمثل هذا الصنف من القوات المسلحة، السيف الذي يبارز به العدو، والرمح الذي يطعن بها، والمنجنيق الذي يوصل النار إلى عمق العدو؛ به يصول، وبه يجول، وبه يقاتل، ولا قيمة لباقي عناصر قوته العسكرية البرية ـــ مشاة، دورع، صواريخ ـــ والبحرية ــ سطحية أو تحت السطح ـــ، لا قيمة لها بدون هذا السلاح؛ كلها عالة عليه في تأمين غطاء لعمليها، وحرية لمناورتها.
وهنا يجب عدم إغفال أن هذا السلاح، وحتى يؤمن لنفسه حرية عمل ومناورة؛ حشد من القدرات الذاتية ما ممكنه من ذلك، ولكنه لم يقتصر على الذات في تأمين متطلب حرية عمل هذه القدرات؛ بل عقد معاهدات، وبنى صداقات وعلاقات وتحالفات في المنطقة والإقليم، ما يعوض ويقوي به بعض نقاط ضعف هذا السلاح، ويستر مكامن ضرره، فطياروه إن لم يجدوا قواعد للهبوط فيها في الأرض المحتلة؛ فقبرص في متناول اليد، واليونان كذلك، كما لن تُقصّر بعض جزر أرخبيل حنيش في البحر الأحمر عن استقابل ما لا تستطيع قواعده الجوية في الأرض المحتلة عن استقباله.
وأما حاملات الطائرات الأمريكية التي تجوب منطقة الخليج العربي، والبحرين الأحمر والمتوسط؛ فهي جاهزة عند الحاجة والضورة أيضاً لاستقبال طائرات العدو، وما خفي في بعض دول المنطقة بهذا الخصوص، أعظم.
الثاني: الدفاع الجوي:
إن كان سلاح جو العدو، المأهول والمسير هو واسطة العقد، وجوهرة تاج قدرات العدو، وهو سيفه ورمحه والمنجنيق؛ فإن منظومات دفاعه الجوي، مختلفة الأسماء والطبقات والاستخدمات، من: الدرع الضوئي، فالقبة الحديدية، فمقلاع داوود، فضلاً عن حيتس الإسرائيلي، وثاد الأمريكي؛ كلها تشكل الدرع الذي يتصدى للنار القادمة من الخارج باتجاه مراكز ثقل العدو، وأصوله الإستراتيجية، والتي من أهمها مكونات منظومة ناره الجوية المتشكلة من: قواعد الطائرات، ومراكز القيادة والسيطرة (C4I)، وعناصر الإدامة(إمداد، صيانة، تحضير)، فضلاً عن تصدي منظومة الدفاع الجوي هذه لمهمة الدفاع عن مراكز ثقل أخذ القرار السياسي الذي يقف خلف أي عمل عسكري وإدارته في الكيان المؤقت.
رابعاً: طرق المواجهة والإجراءات:
أمام هذا الموقف، وحتى يمكن التعامل مع قدرات العدو الهجومية (سلاح الجو) والدافاعية ( الدفاع الجوي)، فإن الجهات المتصدية لهذا المهمة لا بد لها من إمتلاك:
-
قدرات دفاعية؛ عاملة وسلبية، تؤمن أفضل مستوى من الأمن لقدرات دولهم وأصولها الإستراتيجية المختلفة.
-
قدرات اعتراض وإرباك، قادرة على تهديد قدرات العدو الجوية، وغير الجوية، أثناء المناورة والعمل.
-
قدرات (سطع) بمختلف مدياتها ووسائطها.
-
عناصر قوة قادرة على ضرب قدرات العدو في عقبته، ومنعه و/ أو تأخير غلق دائرة عمله القتالية ــ العودة والهبوط، التزود بالوقود، إعادة التذخير، الانطلاق، السيطرة والتحكم ــ ، على أن تكون عناصر القوة هذه: دقيقة، ذات قدرة تدميرة عالية، تمتلك ميزة القدرة على التملص والوصول إلى الهدف.
-
إمتلاك قدرات، وطرق عمل قادرة على حرمان العدو من الاستفادة من قدرات التعزيز الرديفة؛ الإقليمية والدولية، على أن تتوفر في هذه القدرة صفتي: المصداقية، والفاعلية.
إن البحث في قدرات العدو، واجتراح طرق عمل لمواجهتها، يتطلب عملا تخصصيا، وتفكيرا جمعيا، يشارك فيه أكثر من اختصاص، وما جاء في هذه الورقة، عبارة عن مجموعة أفكار مفتاحية، تصلح أن تكون قاعدة بحث، وورشة عمل لذوي الاختصاص، كي يسبروا فيها غور القدرات، ويكشفوا مستور القوات.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
16 09 2025