شبكة الهدهد-كتب عبد الله أمين

تعقد الاتفاقات والتحالفات والمعاهدات بين الدول، وتُعرّف بناء على الهدف منها؛ فبعضها يتم لحاجات اقتصادية، وأخرى بناء على عوز ثقافي أو معرفي أو علمي، وثالثة قد يقف خلفها محركٌ عسكري أو أمني.

فبناء على المجال الذي تعقد لأجله هذه التفاهمات؛ يتم معرفة الهدف منها، والأمور المترتبة عليها.

وقبل الخوض في أصل الموضوع، والذي سنركز فيه بشكل سريع على ما أعلن منذ مدة حول عقد السعودية والباكستان اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك، الأمر الذي حُمّل أكثر مما يحتمل!

قبل الخوض في هذا الأمر لا بد من التذكير أننا مع عقد تحالفات واتفاقيات وتفاهمات بين مختلف مكونات الأمة، وفي شتى المواضيع، فهذا الأمر مما يقتضيه الدين والعقل والمصلحة.

كما تجب الإشارة إلى أن القانون الدولي يتضمن مجموعة من المصطلحات والمفاهيم التي يختلف مقتضى كل منها عن الآخر؛ مع أن الكثير يخلط بين هذه المفاهيم ومقتضياتها، فالمعاهدة غير الاتفاقية، والاتفاقية غير الاتفاق، كما أن الاتفاق يختلف اختلافاً كلياً عن البروتوكول، وكل ما قيل يختلف عن الميثاق الذي توقعه أو تتافهم عليه الدول، فضلاً عما يقتضيه التحالف من مقتضيات وملزومات. وهذا بحث تفصيلي له أهله وناسه من أهل القانون وأساطينه.

لن نتحدث في هذه العجالة عن العلاقات السعودية الباكستانية، فهي ممتدة ومعروفة منذ أعلن عن استقلال الباكتسان، وانفصالها عن القارة الهندية عام 1947.

فقد وثقت السعودية علاقاتها مع هذه الجمهورية الناشئة، وتشاركت معها في برامج عمل، لم يكن أولها بناء القنبلة النووية الباكستانية، والتي بدأ العمل عليها في مشروع " كهوته" سنة 1972، إلى أن فجرت الباكستان قنبلتها الأولى عام 1998.

فضلاً عن الشراكة السياسية والأمنية، التي مثلت فيها السعودي الممول الرئيسي للمجاهدين الأفغان إبان الاحتلال السوفيتي (1979 ـــ 1990)، والذي أشرف عليها، وبشكل مباشر الرئيس الباكستاني محمد ضياء الحق(1924ــــ 1988)، ليس هدف هذه المقالة هذه العلاقة.

كما لن يكون هدفها التطرق بالتفصيل إلى علاقة السعودية مع العدو اللدود والرئيسي للباكستان، عنينا به الهند التي تعد ثاني أكبر شريك تجاري للمملكة، حيث تستورد الثانية من الأولى: المنتجات الغذائية، ومواد البناء، والبتروكيماويات، والآلات الثقيلة، والالكترونيات.

وفي ذات السياق فإن المملكة السعودية هي رابع أكبر شريك تجاري للهند. لذلك ففي الوقت الذي فيه علاقة السعودية مع باكستان ممتدة ومتجذرة؛ فإن علاقتها ًمع الهند عميقة وضاربة الجذور أيضاً.

فهناك مجلس تحت اسم "مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الهندي" والذي تأسس عام 2019. كما أن الجالية الهندية في السعودية من أكبر الجاليات الأجنبية، حيث تضم ما يقارب 3.6 مليون هندي، يعملون في قطاعات تكنلوجيا المعلومات والبناء!! كما بلغت صادرات السعودية إلى الهند فقط من قطاع النفط في عام 2023  ما يقارب 23 مليار دولار، هذا فضلاً عن 400 شركة هندية عاملية في الأراضي السعودية، والذي يقابله 40 شركة سعودية تعمل في الهند.

إن علّة ومناط الاتفاقات الدفاعية أو الأمنية هو: وجود تهديد مشترك يهدد طرفي الاتفاقية، هذه هي قاعدة، ومرتكز مثل هذه الاتفاقيات والتفاهمات والتحالفات. فإذا كان ما نشر تحت اسم " اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك" بين السعودية والباكتسان، من سنخية ونوع هذه التفاهمات، فيجب البحث في أصل هذا الموضوع لفهم خلفياته، ومقتضياته، إنطلاقاً من ذاك المناط، وتلك القاعدة.

فيما يخص الباكستان، فالتهديد الرئيسي لها معروف؛ إسماً ورسماً؛ الهند، والمخاطر الناتجة عن هذا التهديد أيضاً معروفة شكلاً ومضموناً. أما فيما يخص السعودية؛ فما هو التهديد الذي يواجهها؟ وما هي المخاطر الناتجة عنه؟ هل هو تهديد إقليمي مناطقي، يبدأ بالإمارات، ولا ينتهي في لبنان؟! أم أن التهديد في مكان آخر؟ ما هو السبب والدافع الذي يقف خلف توقيع مثل هذه الاتفاقية؟ هل تتشارك الدولتين في نفس التهديد الوجودي؟ أصلاً ما هو التهديد الوجودي الذي يتهدد السعودية؟ فرأت ـــ السعودية ـــ في الباكستان شريكاً من خارج الإقليم قادر على تقديم يد العون لها إن تطلب الموقف مثل هذا العون؟

 هناك قائمة طويلة من الأسئلة التي يجب الإجابة عليها قبل أن نحكم على هذه الاتفاقية، أو نتوقع لها النجاح، فضلاً عن أن كثيراً من الأسئلة المهنية والتخصصية نعتقد أنها غابت ــ قصداً أو سهواً ـــ  عن آخذ قرار هذه الاتفاقية قبل أن يوقع عليها، الأمر الذي جعلنا نطلق عليها صفة الــ (عراضة) السياسية.

إن السؤال المحوري في هذا المقام، كان وما زال وسيبقى وهو: الباكستان والهند في حالة عداء وجودي، واحتكاك إمني عسكري نشط، فهل إذا تجدد القتال بين الباكستان وبين ثاني أكبر شريك تجاري للسعودية (إقرأ الهند) كما حصل قبل مدة، حيث قصفت كلا الدولتين مدن بعضها البعض، هل إذا تجدد هذا القتال، وطلبت الباكستان معونة السعودية، هل ستكون الأخيرة قادرة على أخذ قرار بـالـ ( فزعة) لشريكها الدفاعي الإستراتيجي؟ فضلاً عن إمتلاكها ــ السعودية ــ قرار تشغيل قدرات قتالية أحد أهم شروط شرئها من منتجيها ـــ خاصة الأمريكان ــ  عدم استخدامها خارج حدود المملكة إلّا بعد أخذ الإذن، فضلاً عن استخدام هذه القدرات ضد شريك لدول ترى فيه ــ في الشريك ـــ مخلب قط في وجه المنافس الأول لها ـــ للدول بائعة السلاح للسعودية ـــ  في المنطقة، عنينا به الصين!!

إننا لا نرى في هذه الاتفاقية الدفاعية المشتركة، شيئاً سيسد عوز الباكستان إن عازت، مع أنه قد يسد حاجة للسعودية إن احتاجت، بشرط أن لا تكون حاجتها ـــ السعودية ـــ مرتبطة بتهديد متعلق بدول عربية أو إسلامية، وهو أمرٌ ــ فزعة الباكستان للسعودية ـــ  لم يكن يتطلب مثل عقد هذه الاتفاقات، ولا التفاهمات، فقد أعلنت الباكستان إبان معركة إيران مع الكيان المؤقت، والتي استمرت 12 يوم، أعلنت أنها تضع كامل قدراتها تحت تصرف طهران حال طلبت الأخيرة ذلك، وهما ــ إيران والباكستان ــ لا يجمعهما لا حلف عسكري، ولا اتفاقيات دفاع.

ومع ذلك فإن في هذه الاتفاقية مجموعة فوائد تعود على طرفيها، من أهمها:

  1. إضافة بعد معنوي للسعودية على الصعيدين الدولي والإقليمي، كيف لا وهي باتت تحت مظلتين نوويتين؛ أمريكية وباكستانية.
  2. استثمار العلاقة التي تجمع السعودية بالعدوين اللدودين ــ باكستان والهند ــ في خفض مستويات العداء والتصعيد بينهما، والذي ينعكس سلباً على العالم والإقليم.
  3. تطوير القدرات العسكرية السعودية، وتنويع مصادر التسليح، فضلاً عن توطين تصنيع بعض القدرات العسكرية الباكستانية في السعودية.  
  4. الدخول في شركات عسكرية وأمنية بين الدولتين، على غرار الشراكة غير المعلنة في بناء القدرات النووية الباكستانة، بحيث كانت السعودية ـــ إلى حد ـــ ما ممول والباكستان منتج ومطور.
  5. زيادة مساحة قوس التحالفات الأمنية والعسكرية السعودية، بحيث تستخدم هذه التحالفات في ابتزاز الحلفاء الغربيين للسعودية.

مرة أخرى؛ لسنا ضد أي تحالف عربي ــ عربي، أو إسلامي ـــ عربي، ولكن يجب تسمية الأمور بمسمياتها، وعدم رفع سقف التوقعات من بعض الصور واللقاءات، ليبنى على الشيء مقتضياته، ولا تتحول الاتفاقات إلى (عراضات) منزوعة الدسم وال(هيبات).

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعملون