السبب الحقيقي والرئيسي الذي دفع ترامب إلى إصدار أمره بالهجوم التاريخي على فنزويلا كان رغبة ترامب في إثبات نفسه، ولناخبيه، أنه يفي بوعده بتنفيذ سياسة ماغا (Make America Great Again)، ولأن فنزويلا كانت فريسة سهلة، فجيشها المتآكل من الداخل، والمجهز بمعدات قديمة، لم يكن له أي فرصة في مواجهة آلة الحرب الأميركية ومنظومة الاستخبارات التابعة لها.

من خلال خطواته، أعاد ترامب العمل فعليا بـمبدأ مونرو، بل صرح بذلك علنا خلال مؤتمر صحفي خاص عقده مساء أمس، ووفقا لهذا المبدأ، الذي صيغ قبل نحو مئتي عام في عام 1823 على يد الرئيس آنذاك جيمس مونرو، يعتبر نصف الكرة الغربي منطقة نفوذ أميركية، ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، يقود ترامب سياسة خارجية تركز على توسيع النفوذ الأميركي في الساحة الخلفية للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية.

لكن إلى جانب ذلك، لديه أيضا مصالح اقتصادية: فهو يسعى إلى السيطرة على منشآت إنتاج النفط حيث تملك فنزويلا أكبر احتياطات نفطية في العالم (نحو 18% من إجمالي احتياطات النفط العالمية)، وهو نصيب ضخم ستتولاه الآن الشركات الأميركية، وسيتولى ممثلوها إدارته.

إلى جانب ذلك، يريد ترامب أيضا منع الصين من الحصول على النفط الرخيص الذي تتلقاه من كراكاس مقابل سداد ديون قروض ضخمة، عشرات المليارات من الدولارات التي استخدمتها الصين لإبقاء الاقتصاد الفنزويلي المنهار قائما. وكان مادورو، مثل سلفه، ينتهج سياسة معادية للولايات المتحدة، وكان حليفًا لخصومها الرئيسيين: روسيا، الصين وإيران.

حقيقة لافتة للغاية هي أن ترامب قرر أن تتولى الولايات المتحدة إدارة فنزويلا بشكل مؤقت، إلى أن يقام فيها نظام ينسجم مع توجه رئيس الولايات المتحدة، وحتى الآن، ليس واضحا من الذي سيدير البلاد نيابة عن واشنطن: هل سيكون ذلك حكما عسكريا، أم شخصيات فنزويلية تثق بها الولايات المتحدة وكان جهاز الـCIA قد حددها مسبقا.

ينبغي توقّع تداعيات سلبية محتملة لخطوة ترامب في شرق آسيا، فقد تحاول الصين تقليد الولايات المتحدة ومهاجمة تايوان، التي لا تراها مجرد منطقة نفوذ، بل جزءا اقتطع منها.

وأخيرا، تشكل العملية الجريئة في كراكاس ضربة قوية أيضا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ كانت روسيا حليفا لفنزويلا وكان يُفترض بها أن توفر لها الحماية، فقد كان رجال بوتين مسؤولين عن منظومات الأمن والدفاع الجوي في فنزويلا، التي انهارت تقريبا من دون قتال أمام الجيش الأميركي.

وفي هذا السياق، يمكن التذكير بأنه في أواخر فبراير 2022، عندما غزا بوتين أوكرانيا بشكل مفاجئ، حاول أن يفعل بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالضبط ما فعله ترامب الليلة بمادورو، وتبرز هذه الحقيقة ضعف النظام الروسي ودونية أجهزته الأمنية مقارنة بنظيرتها الأميركية.

أما بالنسبة لإسرائيل، فلا توجد تداعيات فورية ومباشرة على وضعنا الأمني أو الدولي، لكن الردع الأميركي في العالم تعزز مرة أخرى وهذا يخدمنا بشكل غير مباشر أيضا.