شبكة الهدهد
جاكي خوري - هآرتس


قبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان، لم يكن المشهد في قطاع غزة كما كان عليه قبل الحرب. لم تعد الأسواق تعجّ بالزوار حتى ساعات متأخرة من الليل، ولم تعد سلاسل الزينة الملونة تتدلى من كل شرفة كما في السابق، ولم يعد بالإمكان الشعور بأجواء الاحتفال التي كانت تسبق شهر الصيام.

هذا هو أول رمضان بعد حرب دامت أكثر من عامين، لم يكن من الممكن خلالها الحديث عن أي أجواء احتفالية، وهو مثقل أيضاً بالفقد والألم، إلى جانب سؤال محوري: هل تغير شيء حقاً؟


أجاب مسؤول الدفاع المدني في قطاع غزة لصحيفة هآرتس: "حلّ شهر رمضان، وماذا تغيّر؟ لا شيء. لا يوجد وقف حقيقي لإطلاق النار، إنها مجرد وقفة شكلية. إطلاق النار والقصف مستمران". وأضاف أنه خلال الأيام القليلة الماضية فقط، وقعت عدة هجمات أسفرت عن مقتل العديد من الأشخاص، ولا يزال إطلاق النار مستمراً في المناطق التي يقطنها اللاجئون بكثافة، ويسود خوف شديد. 


لطالما كان رمضان في غزة موسمًا للزينة - الفوانيس الملونة والأضواء والنجوم. هذا العام، كما في سنوات الحرب، يختلف الاحتفال قليلًا: الزينة نادرة والأسعار مرتفعة.

تقول فاطمة، وهي أم لطفلين تعيش في مدينة غزة: "كنت أبحث عن زينة معينة ولم أجدها. كنا نشتري الفوانيس للأطفال كل عام. اليوم، يبلغ سعر أصغر فانوس 25-30 شيكلًا. إذا كان لديكِ عدة أطفال، فلن تستطيعي تحمل تكلفته. اكتفيتُ بفانوس واحد."


في لقطات مصورة من مختلف أنحاء قطاع غزة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر أطفال يصنعون فوانيس من زجاجات بلاستيكية فارغة ويعلقونها عند مداخل خيامهم. قال أحد الأطفال: "لا فوانيس ولا مظاهر فرح. هذا كل ما تبقى لنا". وفي مخيم البريج للاجئين، وسط القطاع، زُينت الخيام برسومات لأهلة وعبارة "رمضان كريم"، في محاولة لخلق بصيص أمل وسط واقع النزوح.

 

رغم محاولات بعض المواقع في قطاع غزة فتح أسواق وأكشاك، إلا أن الوضع يبدو قاتماً. يقول أبو أحمد، صاحب أحد الأكشاك: "لا يوجد مشترون تقريباً، ولا استعدادات لشهر رمضان. من الصعب على الناس الشراء. أسعار الفاكهة مرتفعة، حتى أرخصها يصل سعر الكيلو إلى 15 شيكلاً. هنا وهناك نجد عصائر وتموراً."


في قطاع غزة، يتوقعون حدوث تغيير في الأيام المقبلة، وأن يُتيح الضغط الدولي إيصال مساعدات بكميات كبيرة وإنشاء مراكز لتوزيع الحصص الغذائية خلال ساعات الإفطار، بناءً على الوعود والتبرعات. في غضون ذلك، يصف الباحث الاجتماعي الفلسطيني مصطفى إبراهيم واقعًا صعبًا، قائلاً: "بعد أربعة أشهر من وقف إطلاق النار، لم يتغير الكثير.

85% من السكان يعتمدون على المساعدات، ونسبة البطالة تتجاوز 80%، والمساعدات الواردة محدودة للغاية". حتى من يتقاضون أجورًا يحتاجون إلى المساعدة بسبب نقص السيولة وارتفاع تكاليف المعيشة.


بحسب إبراهيم، أعادت بعض المتاجر فتح أبوابها - محلات السوبر ماركت، ومحلات الجزارة، والمقاهي - وهناك بعض الحركة في الشوارع. لكن "هذه الحركة لا تعكس بالضرورة حالة من الرفاهية".

فاللحوم والدجاج متوفرة بكميات أكبر مما كانت عليه في العامين الماضيين، لكن الأسعار مرتفعة والجودة ليست جيدة دائمًا. ويؤكد: "لذلك، ليس من الصواب القول إن هناك تغييرًا جذريًا في الواقع اليومي. نحن في حرب من أجل البقاء".

 

لا يقتصر شهر رمضان في غزة على الصيام والصلاة فحسب، بل هو شهرٌ للتجمعات العائلية، والولائم الجماعية، وصلاة التراويح في المساجد. هذا العام، ومع تدمير العديد من المساجد وعشرات الآلاف من المنازل، ستقام الصلوات في خيام أو مبانٍ مؤقتة. ويؤكد أبو أحمد، أحد سكان غزة، قائلاً: "لقد اختفت المساجد الكبيرة بأرضياتها".


ستُقام أيضًا لمّات شمل العائلات في خيام ومبانٍ مؤقتة، لمن لا يزال لديهم أقارب. فالفقدان حاضر في كل بيت تقريبًا، وقد قُتلت عائلات بأكملها. ومع ذلك، يقول إبراهيم: "يحاول الناس التعايش مع الخسارة والدمار كأمر واقع، لكن من المستحيل معرفة متى سيعود التصعيد".


يعيش نحو 1.9 مليون نسمة في قطاع غزة، كثير منهم في خيام أو مساكن مؤقتة. وعاد آخرون إلى منازلهم المتضررة، الخالية من النوافذ والأبواب، مع بنية تحتية مدمرة ونقص حاد في كل شيء - الكهرباء والدواء والغذاء.

كل شيء يسير في ظل واقع غامض. لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت اللجنة المكلفة بإدارة القطاع ستدخل وتتحمل المسؤولية، أم ستبقى عالقة في مصر دون أي تأثير على أرض الواقع. كما أنه من غير المعروف ما إذا كان مجلس السلام، الذي سيجتمع في واشنطن هذا الأسبوع، سيحمل أخباراً سارة للقطاع، أم أن الأمر سيبقى مجرد شعارات وعلاقات عامة.

 

ومع ذلك، هناك من يعلقون زينة مؤقتة في الخيمة، أو يشترون فانوسًا واحدًا لجميع الأطفال، أو يُعدّون وجبة إفطار بأبسط صورة ممكنة. تقول مشيرة، وهي من سكان وسط قطاع غزة: "لا يزال الناس يحاولون، يحاولون أن يكونوا سعداء، وأن يُسعدوا الأطفال، وأن يهربوا من الواقع ولو للحظة".


يختلف رمضان هذا العام عن العامين الماضيين، لكنه يمثل اختبارًا جديدًا لصبر سكان غزة وصمودهم. فبين إطلاق النار المتواصل، ونقص المساعدات، والخسائر الفادحة، ومستقبل غامض، بات هذا الشهر الفضيل أشبه بضوء خافت لمصباح يدوي مصنوع من زجاجة فارغة. وتتلخص أمنية الأطفال في أمر واحد: أن يمر رمضان هذا العام دون قصف.

وبالنظر إلى أن القتال قد تجدد في رمضان الماضي، فإن هناك من يرضى بأقل من ذلك: "نأمل ألا يعود إطلاق النار هذه المرة. لا نتوقع تحسنًا كبيرًا، كل ما نريده ألا يكون الوضع أسوأ".