اليمين المُحافظ يتخلف عن الركب
ترجمة الهدهد
مقال رأي
قبل عدة سنوات، رصد الباحث "جيمس ليندسي" ظاهرة مقلقة في اليمين الأمريكي، أطلق عليها اسم "اليمين المستيقظ".
ووفقًا له فقد تبنى اليمين الأمريكي بحماس خصائص تختلف عن تلك الموجودة في الجانب الآخر من الخريطة السياسية: سياسات الهوية، وثقافة الإلغاء، وقبل كل شيء، الدفاع عن الضحايا.
ما استقاه اليمين الشعبوي من اليسار التقدمي هو تقديس شعور دائم بالبؤس والاضطهاد، حتى عندما يكون هو من يمسك بزمام السلطة، ومن هذا المنطلق انطلقت شرارة معاداة السامية.
أصبحت هذه الظاهرة نقطة تحول حاسمة في اليمين الأمريكي.
في خطاب مؤثر ألقاه "بن شابيرو" في مؤتمر لإحياء ذكرى الناشط المحافظ "تشارلي كيرك"، حاول استذكار ما ميّز اليمين المحافظ الكلاسيكي حتى وقت قريب: دعم السوق الحرة، والنظرة الاجتماعية المحافظة، والدفاع عن نظام عالمي ليبرالي، وحذّر "شابيرو" من أن كل هذه المبادئ تتآكل بفعل شعبوية غاضبة تروج للسموم واليأس، وتستبدل الأيديولوجيا بنظريات المؤامرة.
في الوقت نفسه، هنا في "إسرائيل"، ظهرت ظاهرة مماثلة تتمثل في "شباب يميني" "إسرائيلي"، فقد استُبدلت سياسات "الهوية الإسرائيلية"، والنضال من أجل تصحيح الظلم التاريخي الذي لحق بذوي الأصول الشرق أوسطية، بحرب طبقية مثيرة للانقسام.
كان النقد اليميني للنظام القضائي والبيروقراطية، في أصله، صحيحًا ومبررًا، فقد كان ضروريًا لتحقيق التوازن بين النشاط القانوني والتدخل المفرط، ولكن هنا تحديدًا يكمن الخلل: إذ سعى المحافظون التقليديون إلى إصلاح الأنظمة المعيبة، بينما يسعى "شباب اليمين" إلى هدمها، وبدلًا من الإصلاح، استغل الوزراء النقد المشروع لتقويض شرعية النظام برمته، وعلى مر السنين، ادعى الوزراء مرارًا وتكرارًا أن من يعرقلون سياساتهم هم موظفون عموميون "خونة"، تحولوا فيما بعد إلى "حراس بوابة".
لقد كان زرع هذا الشك عمدًا هو ما مهد الطريق النفسي للكارثة المعرفية التالية، فعندما وقعت 7 أكتوبر، تحول الاعتقاد بأن البيروقراطيين يديرون البلاد من وراء ظهورنا فورًا إلى تلك "المؤامرة الخائنة" التي لا أساس لها من الصحة، والتي تكتسب زخمًا مرعبًا في صفوف اليمين.
استلهامًا من احتجاجات "كابلان"، التي طالبت الرئيس "بايدن" بإنقاذنا من مصيرنا تحت حكم "نتنياهو"، يتزايد عدد اليمينيين الذين يدعمون دعوة الدكتور "موشيه كوهين" الإجرامية لفرض عقوبات على المسؤولين القضائيين.
وتتوسع ثقافة المقاطعة هذه لتشمل شوارع "إسرائيل"، ويلجأ نشطاء اليمين إلى أساليب فوضوية تتمثل في إقامة حواجز شخصية أمام منازل المسؤولين، أحيانًا دون أي صلة باحتجاج سياسي حقيقي.
هؤلاء ليسوا أفرادًا يعملون بمعزل عن الواقع، بل هم عرضٌ لمنظومة متكاملة - من استوديوهات وشبكات وسياسيين - تُطبع هذا الخطاب في لمح البصر.
لكن ماذا سيحدث هنا في نهاية المطاف؟ سيدفع الثمن أولئك الذين يجرؤون، في لحظة الحقيقة، على وضع حدود: اليمين الأيديولوجي وحاملو لواء المحافظة الكلاسيكية، النخبة نفسها التي تُصوَّر في الولايات المتحدة على أنها "خائنة" أو "يهودية" تُستبدل في "إسرائيل" بمن سعوا إلى بناء يمين عقلاني ونظري وقائم على الدولة.
لماذا هم؟ لأنه كما حدث في الولايات المتحدة - حيث وجّه اليمين الشعبوي غضبه في نهاية المطاف نحو المحافظين التقليديين واتهمهم بالتواطؤ مع "الدولة العميقة" - يحدث الأمر نفسه الآن في "إسرائيل"، حيث يؤمن المحافظ التقليدي بالمؤسسات والقانون وكبح جماح السلطة والسوق الحرة وإصلاح النظام، أما في فكر "الشباب" اليميني، الذي يُقدّس تفكيك المؤسسات وثقافة الغضب، يُوصم كل من يسعى إلى التمسك بقواعد اللعبة فورًا بأنه شريك في "الدولة العميقة" الخائنة.
إن أسوأ خطيئة في نظر الشعبوية الجديدة هي تقديم الحقيقة والعقلانية والحكمة السياسية على الولاء الأعمى لجماعة معينة، إذا استمر قادة الرأي في اليمين الأيديولوجي - أولئك الذين أسسوا معاهد البحوث ومراكز الفكر المحافظة ومراكز الفكر هنا - في ركوب موجة نجاحه السياسي أو التزموا الصمت في مواجهته، فسوف يكتشفون سريعًا أن الأمور قد تغيرت، لن يكونوا قادة المعسكر الجديد؛ بل سيكونون ضحاياه الأوائل، يُداسون تحت أقدام "شباب" اليمين الذي ساهموا في تنشئته.
المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ "عكيفا لام"