ترجمة الهدهد

دخلت الدبلوماسية العالمية في حالة ترقب شديد بداية شهر مارس الحالي، إن إنزال قوات المارينز في قواعد بالخليج، إلى جانب الإنذار الشديد الذي وجهه الرئيس "ترامب"، ليس مجرد استعداد لعملية عسكرية واسعة النطاق، بل هو أشد.. مناورة بديلة سيئة للاتفاق النووي منذ أزمة الصواريخ الكوبية.

لفهم إلى أين نتجه، يجب علينا تحليل هذه الديناميكية من خلال ثلاثة خطوط زمنية: الفشل الذي أدى إلى الحرب، والأدوات التي يتم نشرها حاليًا، والتوقعات للأسبوع المصيري المقبل.

الجزء الأول

الطريق إلى الجحيم - لماذا انهارت المفاوضات في فبراير؟

السبب وراء الحديث اليوم هو الفشل التحليلي لمحادثات فبراير 2026 في مسقط، عاصمة عُمان، وفقًا لنموذج هارفارد، لم تفشل المفاوضات التمهيدية بسبب نقص الإرادة، بل بسبب سوء إدارة مساحة التفاوض.

فشل منطقة العمل السلبية (غياب أي مجال للاتفاق).

في أواخر فبراير الماضي، وضعت الولايات المتحدة مطالب افتتاحية لم تكن مجرد "شرط أساسي"، بل مطالب تمهيدية قضت على أي فرصة للتفاوض، وقد نُظر إلى المطالبة بحلّ "الميليشيات" ووقف التخصيب بشكل كامل قبل بدء مناقشات رفع العقوبات في طهران على أنها محاولة "لنزع سلاحهم قبل أن يقاتلوا".

بتعبير "هارفارد"، عندما يختلف الطرفان حول "خطوات" التوصل إلى اتفاق، يدخلان في منطقة اتفاق سلبية - وهي حالة يكون فيها الحد الأقصى الذي يرغب أحد الطرفين في تقديمه أقل من الحد الأدنى الذي يرغب الطرف الآخر في قبوله، وقد ترك هذا المأزق إيران بلا خيار سوى تشديد مواقفها للحفاظ على قوتها التفاوضية.

وهم البديل الصيني (باتنا)

طوال شهر فبراير الماضي، عاشت إيران في وهم امتلاكها بديلاً أقوى (باتنا) من الواقع.

اعتقدت طهران أن الصين ستوفر مظلة اقتصادية ودبلوماسية تمنع الولايات المتحدة من التدخل عسكرياً، هذه الثقة المفرطة في دعم بكين جعلت الإيرانيين يرفضون أي حل وسط، ولم يدركوا أن الصين، من وجهة نظر "هارفارد" الاستراتيجية، "شريك ضعيف" - مستعد لشراء النفط الرخيص، لكنه غير مستعد للمخاطرة بحرب عالمية من أجل بقاء "آيات الله".

الجزء الثاني

الأدوات متاحة - المفاوضات بوسائل أخرى:

حتى نهاية مارس الجاري، لم تتوقف المفاوضات، بل انتقلت ببساطة إلى ساحة القوة الغاشمة. والأدوات المستخدمة حاليًا تهدف إلى "إعادة هندسة" إرادة الخصم.

إنزال قوات المارينز في المنطقة ليس مجرد تهديد عسكري، بل هو خطوة نفسية تهدف إلى تغيير مفهوم القوة، ويُطلق على هذا في مصطلحات جامعة "هارفارد" اسم "الالتزام"، فمن خلال نشر القوات البرية، تُوضح الولايات المتحدة أنه "لا رجعة"، إنها خطوة تهدف إلى كسر الروح القتالية الإيرانية وإظهار أن البديل الأمريكي للحرب (باتنا) أمرٌ حتمي، وقاتل، وفوري.

الإنذار كأداة لإدارة الوقت.

يُعدّ إنذار "ترامب" - 5 أيام + 10 أيام لوقف التخصيب وتفكيك "الميليشيات" أو تدمير البنية التحتية للطاقة بالكامل - أداةً كلاسيكية لخلق ضغط زمني في المفاوضات، ومع نفاد الوقت يميل الطرف الأكثر عرضةً للضرر إلى التخلي عن مواقفه الأيديولوجية لصالح مصالحه الوجودية، يستخدم "ترامب" عامل الوقت لإجبار القيادة في طهران على الاختيار بين "الموقف" (الحق في التخصيب) و"المصلحة" (استمرار حكم آيات الله).

"نموذج فنزويلا" - مناورة استراتيجية.

رغم الضغوط، تُقدّم الولايات المتحدة عرضًا مغريًا من وراء الكواليس: تحويل إيران من "محطة وقود للصين" إلى "شريك طاقة للغرب"، تُتيح الولايات المتحدة لشركات النفط الأمريكية دخول السوق لإعادة بناء الصناعة والتصدير رسميًا إلى العالم مقابل قطع العلاقات مع الصين.

هذه محاولة لخلق قيمة مضافة في أبهى صورها - تحصل الولايات المتحدة على نفط رخيص، ومن خلال احتواء الصين، تحصل إيران على المال والبقاء.

الجزء الثالث

التوقعات - ما الذي يُرجّح حدوثه في الأيام القادمة؟ يشير التحليل إلى 3 مسارات محتملة، مع اقتراب نفاد الوقت المتاح:

  1. سيناريو "الاضطرابات الفنزويلية" (احتمالية عالية: 60%).

بعد إنزال قوات المارينز وإدراك إيران لخطورة الإنذار، ستقدم عرضًا في اللحظات الأخيرة يتضمن "صفقة شاملة"، سيوافق الطرفان على تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عامًا مقابل الرفع الفوري للعقوبات المفروضة على النفط وتدفق الاستثمارات الغربية، هذا هو انتصار نموذج "هارفارد" - حيث يتنازل كلا الطرفين عن مصالحهما (الولايات المتحدة: الأمن والنفط؛ إيران: البقاء والمال) مع التخلي عن مواقفهما.

  1. سيناريو "حرب الاستنزاف" (احتمالية متوسطة: 35%).

ستحاول إيران اختبار مدى جدية "ترامب" لن تستجيب للإنذار، وستُفعّل وكلاءها لمهاجمة ناقلات النفط في الخليج لرفع الأسعار إلى 200 دولار للبرميل، الهدف هو إضعاف البديل الأمريكي الأفضل للتفاوض (BATNA) من خلال التأثير على الناخبين الأمريكيين، هنا تبرز أهمية قوات المارينز - دورهم هو ضمان "القطيعة" بالقوة، مما سيؤدي إلى صراعات محدودة ولكنها صعبة.

  1. سيناريو "خيار شمشون" – انهيار المصداقية والانتقال إلى حرب وجودية (احتمالية منخفضة: 5%).

هذا هو السيناريو الذي تنهار فيه نظرية التفاوض في جامعة هارفارد لصالح "عقلانية اليأس"، في هذه الحالة، لا يُفضي الضغط العسكري الهائل لقوات المارينز ولا مهلة الإنذار إلى حل وسط، بل إلى عكس ذلك تمامًا، تُقدّر إيران أن الثمن الذي هي على استعداد لدفعه مقابل السيادة والهوية الأيديولوجية يفوق أي مكسب اقتصادي يُعرض عليها في "نموذج فنزويلا".

في هذا السيناريو، يُقضى تمامًا على أي مجال للاتفاق، فبدلًا من توسيع نطاق المصالح، قررت قيادة النظام في طهران تدمير كل شيء، فسروا وجود قوات المارينز على أنه حكم بالإعدام النهائي على النظام، واختاروا اللجوء إلى الأسلحة النووية بشكل علني كخطوة "رادعة انتحارية". هنا، يتحول مجال الاتفاق لدى الطرفين إلى فناء متبادل، وتتلاشى المفاوضات المهنية لصالح نظرية لعبة "المحصلة الصفرية" المتطرفة، حيث لا يكمن الهدف في التوصل إلى اتفاق، بل في تعظيم الضرر الذي يلحق بالخصم قبل الانهيار.

معركة صواريخ؟ أم معركة أعصاب؟

إن حرب عام 2026 ليست مجرد معركة صواريخ، بل هي معركة أعصاب وحسابات نظرية الألعاب، إن إنذار "ترامب" ووصول قوات المارينز هما الأداتان المصممتان لإجبار إيران على إدراك أن العالم قد تغير: لم تعد الصين قادرة على إنقاذها، وأن النفط هو سبيلها الوحيد للخروج من الخراب.

المصدر: "إسرائيل هيوم"/ "أمير موريتس"

مؤسس شركة التكنولوجيا المالية "Twelve" وخريج قسم الميزانية في "وزارة مالية العدو".