العزم على مواجهة إيران حلفائها الإقليميين
ترجمة الهدهد
لم تعد الحرب الحالية بين "إسرائيل" والولايات المتحدة وإيران مجرد جولة محدودة من المواجهة، بل أصبحت صراعًا واسع النطاق ذو تداعيات إقليمية وعالمية، ويتمحور هذا الصراع حول تصميم مشترك بين واشنطن و"تل ابيب" على تحقيق هزيمة استراتيجية لإيران وشبكة حلفائها التي بنتها على مر السنين، وعلى رأسهم حزب الله وحماس والحوثيون، وإلى جانب البُعد العسكري المباشر، يُعد هذا الصراع أيضًا صراعًا على موازين القوى في الشرق الأوسط، وعلى السيطرة على طرق التجارة والطاقة، وعلى تشكيل النظام العالمي في عصر التنافس بين القوى العظمى.
في هذه المرحلة من الحرب، يبدو أن جزءًا كبيرًا من القدرات العسكرية الإيرانية المباشرة قد تضرر أو دُمر، بما في ذلك قطاعات واسعة من قدراتها الصناعية، على مر السنين استثمرت طهران موارد هائلة في بناء أنظمة صواريخ باليستية، وبنية تحتية نووية، وأنظمة طائرات مسيرة، وشبكات حلفاء إقليمية، إلا أن العمليات العسكرية الدقيقة، إلى جانب عمليات الاستخبارات المستمرة، أدت إلى إلحاق ضرر بالغ بهذه القدرات، هذا الضرر ليس تكتيكيًا فحسب، بل استراتيجيًا أيضًا: فإيران تُجرّد تدريجيًا من قدراتها العسكرية والحكومية، وكل يوم يمر يزيد من حدة هذا الضرر.
في هذا الواقع، يتبلور هدف آخر: الانتقال من إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى تقويض أسس قوتها الاقتصادية، ومن أبرز المحاور في هذا السياق جزيرة خرج في الخليج العربي، التي تُعدّ منفذاً تصديرياً رئيسياً للنفط الإيراني، وقد يُغيّر فرض سيطرة أمريكية أو تشديد الرقابة على المنطقة، إلى جانب السيطرة على مضيق هرمز، قواعد اللعبة الاقتصادية، يُعدّ مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ومرور نحو 20% من نفط العالم عبره يجعله رصيداً استراتيجياً بالغ الأهمية.
تهدف واشنطن إلى بسط سيطرة استراتيجية أوسع في المنطقة
في هذا السياق، يُزعم أحيانًا أن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" يسعى بالدرجة الأولى إلى إنهاء العملية سريعًا وتقليص التدخل الأمريكي في المنطقة، إلا أن تحليلًا معمقًا للتطورات يُظهر أن الواقع قد يكون أكثر تعقيدًا، يبدو أن واشنطن تهدف في الحقيقة إلى بسط سيطرة استراتيجية أوسع على المنطقة، ولا سيما حول طرق الطاقة الرئيسية، إن سيطرة الولايات المتحدة أو نفوذها على تدفق النفط الإيراني - خاصةً إذا تم تداول هذا النفط بالدولار في إطار آلية البترودولار - من شأنه أن يعزز مكانة الدولار والاقتصاد الأمريكي.
يكتسب هذا الجانب أهمية بالغة في ضوء التنافس العالمي مع الصين وروسيا، فقد سعت هاتان القوتان في السنوات الأخيرة إلى توسيع نفوذهما في الشرق الأوسط وبناء أنظمة اقتصادية بديلة للنظام الغربي، وأصبحت إيران شريكاً رئيسياً في هذا المسعى، لا سيما في مجالي الطاقة والتعاون العسكري، لذا، بالنسبة للولايات المتحدة، لا تُعدّ الحرب ضد إيران مجرد قضية إقليمية، بل جزءاً من صراع أوسع نطاقاً من أجل النظام العالمي.
مع ذلك، من المهم التأكيد على أن منظور "إسرائيل" يختلف نوعًا ما عن منظور الولايات المتحدة، فبالنسبة لـ "إسرائيل"، يتمثل الهدف الرئيسي للحملة في الأمن: تدمير القدرات النووية الإيرانية، وتفكيك ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وقطع الدعم عن الحلفاء الإقليميين الذين يهددون "الإسرائيليين" بشكل مباشر، ويُنظر إلى حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن كجزء من "حزام نار" بُني حول "إسرائيل" على مر السنين بهدف تهديدها من عدة جبهات في آن واحد.
في كلٍّ من هذه الأهداف، تتطابق المصالح تمامًا بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، كما أن واشنطن لا ترغب في امتلاك إيران أسلحة نووية، وتعتبر منظومة الصواريخ والأنشطة بالوكالة عاملًا مزعزعًا للاستقرار الإقليمي، مع ذلك، تنظر الولايات المتحدة إلى هذه الحرب من منظور أوسع، إذ يتمثل أحد أهمّ الأسئلة بالنسبة لها في كيفية فصل إيران عن محور الشراكة المتنامي مع الصين وروسيا.
تغيير مكانة إيران في النظام الدولي
تتمثل إحدى الاستراتيجيات المحتملة في هذا السياق في محاولة تغيير مكانة إيران في النظام الدولي، تسعى واشنطن إلى تحويل إيران إلى دولة لا تقف في وجه الغرب، بل تندمج في النظام الاقتصادي والسياسي الذي تقوده الولايات المتحدة، ولتحقيق هذه الغاية، قد تستخدم الولايات المتحدة أدوات اقتصادية وسياسية تدفع النظام الإيراني إلى الاستسلام غير المشروط، وفي الوقت نفسه، هناك سيناريو آخر يتمثل في تغيير النظام، إذا ما اندلعت احتجاجات داخلية واسعة النطاق بين الشعب الإيراني.
إلى جانب قضية الطاقة، ثمة ساحة اقتصادية أخرى تشهد منافسة بين القوى العظمى: سوق المعادن الأرضية النادرة، تسيطر الصين اليوم على نحو 90% من إنتاج وتصنيع هذه المعادن، التي تُعدّ أساسية في صناعة الرقائق الإلكترونية والسيارات الكهربائية والتقنيات المتقدمة، تمنح هذه السيطرة بكين نفوذاً استراتيجياً كبيراً، وتسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد سبل لموازنة هذه الميزة، ومن بين الخيارات المتاحة تعزيز سيطرتها على مصادر الطاقة العالمية، ولا سيما النفط.
في نهاية المطاف، لا تقتصر الحرب الحالية على تفكيك المحور الشيعي أو إحباط التهديد المباشر لـ "إسرائيل"، بل ترتبط أيضاً بجهود أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط كساحة للتعاون الاقتصادي والنقل بين الشرق والغرب، وفي هذا السياق، تكتسب مبادرة إنشاء ممر التجارة والطاقة الدولي (IMEC) - وهو مشروع يهدف إلى ربط الهند ودول الخليج والمملكة العربية السعودية وإسرائيل بأوروبا - أهمية خاصة.
من شأن هذا الممر أن يُنشئ طرقًا تجارية جديدة تُقلّص المسافة بين آسيا وأوروبا، وتُخفّف الاعتماد على الطرق التي تُسيطر عليها القوى المتنافسة، علاوة على ذلك، يُمكنه أن يُؤسس تحالفًا إقليميًا واسعًا يضم دولًا عربية معتدلة إلى جانب "إسرائيل" والولايات المتحدة، هذا التحالف قادر على ضمان أمن الممرات الملاحية، وتطوير بنية تحتية متطورة للطاقة، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين المناطق التي كانت مُنفصلة عن بعضها سابقًا.
لذا، فإن الحرب ضد إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي أيضاً مفترق طرق استراتيجي، فنجاحها قد يؤدي إلى تفكيك شبكة التهديد التي أُقيمت حول "إسرائيل"، ولكنه قد يفتح أيضاً الباب أمام نظام إقليمي جديد تربط فيه طرق التجارة والطاقة والتكنولوجيا بين الشرق والغرب تحت هيمنة أمريكية أوسع.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ العميد (احتياط) "أمير أفيفي"، الرئيس المؤسس لحركة " الأمنييون"