"زئير الأسد" أم صوت توبيخ خافت؟
ترجمة الهدهد
في الليلة التي اهتزت فيها سماء طهران تحت وطأة عملية "زئير الأسد"، لم تكن "المقاتلات الإسرائيلية والأمريكية" تضرب أنظمة الدفاع الإيرانية فحسب، بل كانت تشن حرباً نفسية مريرة داخل "البيوت الإسرائيلية"، لقد وجد المواطن نفسه أمام روايتين متناقضتين تماماً؛ فبينما كان يتنقل بين القناة 14 والقنوات الرئيسية (11، 12، 13)، لم يتلقَّ تفسيراً مختلفاً للحدث، بل شاهد "حدثين تاريخيين" ينتميان لرؤيتين عالميتين متصادمتين.
في العالم الموازي للقناة 14، صُوّرت العملية كلحظة فارقة في تاريخ "الصهيونية" تحت شعار "الأسد اليهودي يضرب رأس الأفعى"، هناك، سيطرت ألوان النصر والفخر الوطني على الشاشة، وركزت التقارير الصاخبة على صور القوة المطلقة، من إقلاع الطائرات إلى انفجارات منشآت الصواريخ الإيرانية.
بالنسبة لمشاهدي هذه القناة، الحرب هي صراع وجودي وديني يقاد بثقة نحو "النصر المطلق"، وأي نقد أو تساؤل عن نطاق الهجوم يُصنف كـ "محاولة خبيثة" من عناصر انهزامية لإضعاف المعنويات، هنا تحولت الوسيلة الإعلامية إلى "مشجع وطني" يهمش التعقيدات الاستراتيجية.
على النقيض تماماً، سادت في استوديوهات القنوات 12 و13 لغة حذرة ومتشككة، لم يكن السؤال هناك "كيف ضربنا؟"، بل "ماذا تركنا؟"، عُرضت العملية كخطوة قد تكون بدأت بنجاح تكتيكي، لكنها تحولت إلى خطوة غير مدروسة قد تشعل حرباً إقليمية دموية وتستنزف "موارد البلاد" وانشغل المعلقون هناك بالخطوط الحمراء التي رسمها البيت الأبيض، وامتناع "إسرائيل" عن ضرب أهداف حيوية كحقول النفط، وتساءلوا بمرارة: هل أزيل التهديد الوجودي فعلاً أم أننا غرقنا في مستنقع استنزاف طويل؟
يكشف هذا الانقسام الحاد عن ظاهرة "اقتصاد الانتباه" السياسي المدمر؛ حيث يُحقن جزء من الجمهور بـ "وعي النصر" المطلق، بينما يغرق الجزء الآخر في تحليل الإخفاقات، والنتيجة هي فقدان قاعدة الواقع المشترك؛ فعندما يقتنع نصف الشعب بهزيمة إيران، ويوقن النصف الآخر بأنها حرب عبثية، يتلاشى أساس أي نقاش عام سليم.
إن وسائل الإعلام اليوم تتخلى عن دورها كمرآة للواقع، في وقت تحتاج فيه "إسرائيل" أكثر من أي وقت مضى إلى إعلام شجاع يوازن بين البطولة والحقائق المعقدة. فبدون الصورة الكاملة، سنبقى أسرى الوهم بينما يستمر الواقع في التغير بلا نهاية.
المصدر: "إسرائيل هيوم"/ "نسيم كاتس"، مختص الإعلام والسياسة.