ترجمة الهدهد

تواجه الديناميكيات السياسية في الشرق الأوسط حاليًا أحد أكثر الأسئلة تعقيدًا: هل يمكن إخضاع النظام الإيراني من خلال الضغط الخارجي؟ في حين أن الغرب، بقيادة "ترامب"، يتبنى أحيانًا نهج "الضغط الأقصى"، فإن تحليل الواقع الداخلي في طهران يرسم صورة قاتمة لنظام لا يرى الاستسلام خيارًا قابلاً للتطبيق، ليس بدافع أيديولوجي فحسب، بل بدافع غريزة البقاء الأساسية.

البقاء على قيد الحياة كلعبة محصلتها صفر

بالنسبة للحرس الثوري، لا تُعدّ السلطة مجرد أداة لتحقيق رؤية دينية، بل هي الحصن الأخير ضد الانهيار، ويدرك النظام الحالي، -الأكثر تطرفاً من سابقيه-، تماماً أن سقوطه لن يكون مجرد تغيير ديمقراطي للحكومة أو تقاعد هادئ، فبالنسبة لهم يعني فقدان السلطة اضطهاداً شخصياً، ومحاكمة، وتصفيةً جسدية للطبقة الحاكمة.

يحوّل هذا المنظور الصراع إلى لعبة محصلتها صفر: فحتى لو دُمّرت إيران، وانهارت بنيتها التحتية للكهرباء والمياه، وتوقفت صناعة النفط والغاز فيها تمامًا، سيواصل النظام القتال، ولا يُشكّل نقص الغذاء أو الانهيار الاقتصادي للشعب أيّ اعتبارٍ لقيادةٍ ترى نفسها في حرب بقاء، فبالنسبة لهم، من الأفضل أن "يحترق العالم" على أن يفقدوا قبضتهم على السلطة.

فخ الضغط الدولي

وهنا يكمن الخلل الجوهري في استراتيجية الرئيس الأمريكي "ترامب"، فمحاولة إخضاع إيران عبر العقوبات أو العمل العسكري تُحدث آثاراً جانبية عالمية مدمرة.

الفوضى الجيوسياسية:

خطر حقيقي للتصعيد إلى صراع متعدد الجبهات وحتى حرب عالمية، في مواجهة ضغوط داخلية ودولية شديدة، قد يجد "ترامب" نفسه مضطراً لإعلان "النصر الكامل" دون تحقيق أهدافه ، وأهمها القضاء على النظام المتطرف لـ"الحرس الثوري"، أو سيرضى بتحقيق تنازلات مؤقتة بشأن حرية الملاحة أو تأجيل البرنامج النووي الإيراني وتجديد قدراته الصاروخية، وهو وضع تنجح فيه الضغوط الدولية (الاتفاقيات أو العقوبات أو التهديدات العسكرية) في إيقاف عجلة إيران لفترة محدودة فقط، لكنها لا تفكك البنية التحتية نفسها، وهو ما يمكن تفسيره على أنه إنجاز دبلوماسي، لكنها لن تؤدي إلا إلى تأجيل النهاية دون تحييد التهديدات الأساسية: منظومة الصواريخ، والبرنامج النووي، ودعم الحلفاء في جميع أنحاء المنطقة.

تداعيات ذلك على أمن "إسرائيل"

بالنسبة لـ "إسرائيل"، ينطوي هذا السيناريو على خطر استراتيجي طويل الأمد، فإنهاء الحرب دون تفكيك القدرات الإيرانية يعني عودة طهران سريعاً إلى مسار التسلح المتسارع، وبينما تستعيد إيران قوتها، قد تجد "إسرائيل" نفسها في المستقبل في مواجهة الولايات المتحدة بشكل مختلف، ذات أولويات متغيرة، لا سيما في حقبة ما بعد "ترامب"، حيث بدأت أصوات داخل الحزب الديمقراطي تدعو إلى تقليص التدخل والدعم في الشرق الأوسط.

ختاماً، لا تُقاس قوة الحرس الثوري بأسلحته فحسب، بل برفضه القاطع للمساس بوجوده، وطالما اعتبر النظام الاستسلام بمثابة حكم بالإعدام، ستظل الأدوات السياسية والاقتصادية التقليدية محدودة الفعالية، ولن يزداد التهديد للاستقرار العالمي وأمن "إسرائيل" إلا سوءاً.

استسلام "ترامب"، إخفاق تاريخي

تحققت جميع التوقعات التي كتبتها قبل إعلان وقف إطلاق النار بالكامل، واحدة تلو الأخرى، كنا على بُعد لحظات من انتهاء مهلة الإنذار الذي وجّهه الرئيس "دونالد ترامب" إلى الإيرانيين، وعلى عشية شنّ هجوم واسع النطاق يهدف إلى تدمير شبكات الكهرباء والمياه والجسور ومنشآت الغاز والنفط التابعة للجمهورية الإسلامية، في صباح السابع من أبريل/نيسان 2026 (بتوقيت شرق الولايات المتحدة)، قال "ترامب" أمام لجنة: "ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبدًا، لا أريد أن يحدث ذلك، لكنه على الأرجح سيحدث".

لكن بدلاً من تنفيذ تهديده القاتل، تراجع "ترامب"، لقد كانت لحظة نادرة من الفرص: فمشاركة الأكراد والأقليات الأخرى في الحملة البرية، إلى جانب الغارات الجوية المكثفة التي شنتها الولايات المتحدة و"إسرائيل"، كان من الممكن أن تحفز الشعب الإيراني على الخروج إلى الشوارع بأعداد غفيرة، ما يؤدي إلى إسقاط النظام، لكن في الواقع، أثّر الضغط الشديد من الداخل ومن الدول الأوروبية، الناجم عن تفاقم الأزمة الاقتصادية عقب حصار مضيق هرمز، تأثيراً بالغاً،

أدى خوف "ترامب" من انتخابات التجديد النصفي لمجلس النواب، بالإضافة إلى انخفاض شعبيته إلى مستوى غير مسبوق بلغ 41%، إلى انهياره قبيل الإعدام، وفي تلك الليلة، حوالي الساعة الثامنة مساءً، أعلن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في محاولة لإيجاد حل سياسي.

تكمن خطورة هذه الخطوة في دلالتها المدمرة: فقد منح "ترامب"، بقراره هذا، اعترافًا فعليًا بشرعية النظام المتطرف في إيران.

بدلاً من العمل على استئصالها، اختارت إيران إدامة وجودها، وهذا قرار كارثي لـ "إسرائيل" والعالم أجمع، ما دام النظام الحالي يحكم إيران، فلا أمل في التوصل إلى تفاهمات طويلة الأمد، حتى لو تم توقيع اتفاقيات، ستنتظر طهران أول فرصة، مثلاً عند انتهاء ولاية "ترامب"، لانتهاكها بشكل صارخ ومواصلة سباقها المحموم للحصول على أسلحة نووية، بدون هزيمة الشرطة الإيرانية المتطرفة وحلّ الحرس الثوري، لن يُعثر على حل استراتيجي يضمن أمن "إسرائيل" وبقاءها على المدى البعيد.

المصدر: صحيفة "معاريف"/ "يتسحاق بريك"