مقال رأي

ترجمة الهدهد

يواجه "جيش العدو الإسرائيلي" أزمة وجودية تتجاوز في خطورتها التحديات العملياتية أو السياسية؛ فهي أزمة "أخلاقية" عميقة تدفعه نحو الانهيار الداخلي.

وبينما ركز مراقبون مثل البروفيسور "ياجيل ليفي" على ضعف القيادة العسكرية أمام السطوة السياسية، يبرز "الداء الأخلاقي" كعامل حاسم في تآكل مكانة "الجيش"، الذي لطالما كان المؤسسة الأكثر ثقة لدى "الجمهور الإسرائيلي"، ليتحول اليوم إلى مؤسسة تعاني من تراجع مستمر في رصيدها القيمي، وهو ما بات ملموساً حتى في أوقات الحروب التي كان يُفترض أن توحد المجتمع حوله.

البروفيسور "ليفي" لم يتطرق إلى الداء الأعمق الذي يعتري "الجيش الإسرائيلي"، والذي يدفعه إلى "الانهيار على نفسه"، كما قال رئيس أركانه: "إنه داء أخلاقي، تتجاوز خطورته حتى صعوبات القوى العاملة"، "هآرتس"، 12 أبريل.

تتجلى هذه الأزمة في سلسلة من الإخفاقات المنهجية التي تضرب قيم الشفافية والمساءلة؛ بدءاً من التستر على ملابسات وفاة جنود مثل "غور كهاتي"، مروراً بانتهاكات حقوق الأسرى الفلسطينيين في "ساديه تيمان" وإفلات الجناة من العقاب، وصولاً إلى استراتيجية التضليل الإعلامي التي يتبعها المتحدث باسم الجيش عبر تقارير غير دقيقة.

هذه الحوادث حين تُقرأ مجتمعة، تكشف عن خلل بنيوي يمتد جذوره إلى إخفاق "الجيش"  في 7 أكتوبر، الذي لم يكن قصوراً عسكرياً فحسب، بل فشلاً ثقافياً-قيمياً اتسم بالتهرب من المسؤولية وازدراء التحذيرات، وهو النهج الذي لا يزال يطبع السلوك الميداني حتى اللحظة.

وعلى الصعيد الميداني، بات التباين بين "صورة الجيش الأخلاقي" والواقع مروعاً؛ حيث وثقت تقارير حالات متكررة لاستخدام القوة المفرطة، وتدمير الممتلكات، واستغلال المدنيين في غزة، فضلاً عن تصاعد العنف في الضفة الغربية.

هذا الانحراف عن المبادئ التقليدية لـ "الجيش" خلّف حالة من "الصدمة الأخلاقية" لدى الضباط والجنود المخضرمين؛ إذ يعيش هؤلاء الذين أفنوا حياتهم في الخدمة العسكرية حالة من الإحباط العميق وشعوراً بالخيانة لقيمهم التي تأسسوا عليها، مما يعزز الفجوة بين عقيدة "الجيش" التاريخية وبين الواقع الذي يفرض عليهم ممارسات لا يجدون أنفسهم فيها.

في المحصلة، يعاني "المجتمع الإسرائيلي" اليوم من جرح غائر يتمثل في فقدان الثقة بمؤسسته العسكرية، وهو أمر لا يمكن معالجته بمجرد تحقيق انتصارات عسكرية أو عملياتية، إن السؤال الجوهري الذي يواجه الجيش ليس "هل يمتلك القدرة على القتال؟"، بل "كيف يمارس هذا القتال؟"، وبدون مراجعة جذرية تستعيد قيم المسؤولية والالتزام الأخلاقي، ستظل الإنجازات الميدانية مجرد غطاء هش لهيكل يتصدع من الداخل، مما يضع استدامة الجيش كركيزة للدولة على المحك.

المصدر: "صحيفة هآرتس"/ "رؤوفين غال"، باحث أول في معهد نعمان في التخنيون، شغل سابقًا منصب كبير علماء النفس في "جيش العدو الإسرائيلي"، ونائب رئيس قسم الدراسات العسكرية والاجتماعية، والرئيس المؤسس لجمعية الدراسات العسكرية والاجتماعية بالكيان.