جبهة سياسية موحدة في إحباط أجندة اليمين المتطرف
ترجمة الهدهد
إننا نمر بأيام غير عادية تستوجب الحذر، فمن المرجح أن يبذل الائتلاف الحاكم كل ما في وسعه لمنع مشاركة الأحزاب التي تمثل الفلسطينيين في "إسرائيل" بالانتخابات، سواء كانت أحزاباً عربية أو تلك التي تتبنى نهجاً ديمقراطياً.
هذه الأحزاب تحظى بتأييد اليهود المناهضين لـ "القومية العسكرية الإسرائيلية"، وهي تمثل المنصة الطبيعية - والوحيدة - لأصوات الذين تظاهروا تحت شعار "لا ديمقراطية مع الاحتلال"، إنها المعارضة الوحيدة التي ترفض الاستسلام للحرب، وبفضل تركيبتها، فإن سياساتها لا تلوّث بتقاليد "التفوق اليهودي".
في المقابل، يرى الكثير من الفلسطينيين، المحرومين من المساواة داخل "إسرائيل"، أن مقاطعة الانتخابات هي وسيلة للتعبير عن نفورهم من النظام السياسي والأيديولوجي القائم، ويستند موقفهم إلى استنتاجات تاريخية وفلسفية تعتبر الوضع الراهن حتمياً، وهو ما يفسر القناعة لدى البعض بأن الإبادة الجماعية في غزة، أو طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية و"إسرائيل"، هي ممارسات متأصلة في الأيديولوجية الصهيونية منذ البداية.
تُشير الكاتبة عميرة هيس إلى أن نشطاء اليسار ومعارضي الاحتلال -من فلسطينيين ويهود- يشتركون في الاعتقاد بأن الصهيونية هي نتاج للاستعمار الاستيطاني، لكنهم عملوا لعقود على أمل عرقلة ديناميكيات الطرد والإبادة، لقد كان الأمل معقوداً على إقناع عدد كافٍ من "الإسرائيليين" بأن إنكار حقوق الفلسطينيين سيولد تأثيراً ساماً يلحق الضرر بالجميع، بمن فيهم اليهود أنفسهم، وترى "هيس" أن العمل السياسي -كأنشطة مدنية مؤثرة في مراكز القوى- ينطلق من فرضية أن التغيير ممكن، وأن المسار ليس "محدداً مسبقاً"، لذا بادر النشطاء للتظاهر ورفض التجنيد والوقوف بجانب المهددين بالإرهاب اليهودي.
لكن "هيس" تعترف بمرارة أن تلك المحاولات تعرضت للكسر سريعاً، وأن الأغلبية -خاصة من الطبقات الأقل حظاً أو غير القادرة على الهجرة- بقيت تواجه واقعاً متدهوراً، وتؤكد أن قواعد اللعبة التي وضعتها الحكومة الحالية تختلف جذرياً عما سبق، خاصة في تطرفها تجاه الفلسطينيين أو في إلغائها للقواعد الديمقراطية التي كانت تمس اليهود سابقاً، وترى أنه لا ينبغي لحياتنا أن تكون مجرد مادة لدراسات مستقبلية تقارن بين الفاشية ومعسكرات الاعتقال، بل يجب التحرك الآن لبناء قوة سياسية موحدة تصعب على الطرف الآخر تحقيق مخططاته التدميرية.
تؤكد "هيس" أن الكنيست يظل ساحة عمل هامة، ليس كبديل للنشاط الميداني، بل لكونه موقعاً يمنح القوة السياسية بروزاً يمكن استغلاله، لذا فإن التصويت في الانتخابات القادمة يُعد "عملاً تخريبياً" ضد غطرسة المنتصرين، وترى أن من المناسب هذه المرة أن يُدلي الفلسطينيون الذين قاطعوا الانتخابات بأصواتهم، خاصة في ظل تنفيذ خطة "الحسم" التي يقودها "بتسلئيل سموتريتش" والتي قد تفضي إلى كارثة. وتشدد على أن الواجب السياسي والأخلاقي يفرض عدم التعامل مع التهجير القادم كأمر واقع.
تدعو "هيس" إلى تشكيل كتلة فنية موحدة تضم جميع الأحزاب العربية والعربية-اليهودية، مؤكدة أن مبدأ "نحن هنا وسنبقى هنا" يجب أن يسود على الخلافات الأيديولوجية.
وفي حال استبعدت لجنة الانتخابات المركزية أياً من هذه الأحزاب، فيجب التصويت فوراً للبقية لضمان عدم إهدار الأصوات، وتدرك الكاتبة أن التردد في التصويت أمر طبيعي، لكنها توضح أن كل حزب عربي أو عربي-يهودي هو مجموع أعضائه الذين يمثلون الفئات الأكثر اضطهاداً، والتصويت لهم هو إعلان ولاء لحقوقهم.
تختتم "هيس" بالتحذير من أن رغبة القوى النافذة في استكمال ما عجزت عنه عام 1948 تُشكل خطراً وجودياً، وقد يتم منع جميع الأحزاب الممثلة للفلسطينيين واليسار المعتدل من المشاركة، وتؤكد أن مقاطعة الانتخابات ردّاً على ذلك ستكون احتفالاً إضافياً للائتلاف، وفي حال وصلنا إلى طريق مسدود، فإنه قد يتوجب منح الأصوات لأحزاب صهيونية تشارك في المظاهرات المناهضة للحرب (مثل "الديمقراطيين")، رغم اعترافها بمدى صعوبة تلك المعضلة الشخصية، آملةً ألا نصل إلى تلك المرحلة، لكن مع التأكيد على ضرورة الاستعداد لاستخدام كافة الوسائل لوقف زحف اليمين الفاشي وإبعاده عن حياتنا.
المصدر: "صحيفة هآرتس"/ "عميرة هيس"