ترجمة الهدهد

أثارت الوثائق والمقاطع المصورة التي نشرها وزير الأمن القومي للعدو المتطرف، "إيتامار بن غفير"، والتي يتباهى فيها بإذلال نشطاء "أسطول غزة"، عاصفة دولية واسعة سلطت الضوء مجدداً على حقيقة "الخطاب الإسرائيلي" الرسمي والإعلامي، الذي بات لا يرى المشكلة في الأفعال والانتهاكات بحد ذاتها، بل في الكاميرات والعدسات التي توثقها وتكشفها للعالم.

وسارع رئيس وزراء العدو ووزير خارجيته وعدد من "السياسيين الإسرائيليين" إلى التنصل من المقطع المصور، لا رغبةً في إدانة السلوك الإجرامي أو رفضاً لرسائل الإذلال، بل خوفاً من الضرر البالغ الذي يلحقه الفيديو بصورة "إسرائيل" الخارجية؛ حيث جرى التعاطي مع الفضيحة باعتبارها مجرد "خطأ في العلاقات العامة"، في ظل نظرة "المؤسسة الإسرائيلية العامة" لنشطاء أسطول الحرية باعتبارهم "إرهابيين"، مما يجعل المعاملة المهينة مقبولة محلياً طالما بقيت بعيدة عن الأنظار.

ويعكس هذا الموقف حالة من النفاق المؤسسي؛ إذ تكرر المشهد ذاته في "قضية اليمن" وشهادات إساءة معاملة المعتقل الفلسطيني في سجن "سدي تيمان"، حيث لم تنبع الصدمة العامة من انتفاضة أخلاقية أو حرصٍ على القانون الدولي وحقوق الإنسان، بل من تسريب الفيديوهات والاضطرار لمواجهة التبعات الإعلامية والدبلوماسية، مما يكرس قناعة رسمية مفادها أن الأخلاق ليست قيمة مجردة، بل ترتبط بوجود التوثيق، فإذا غابت الكاميرا جاز الإنكار والتجاهل.

ويتجلى هذا السلوك بوضوح في قطاع غزة، الذي يواجه حرب إبادة وتجويع وتدمير شامل لجميع مناحي الحياة، أسفرت عن ارتقاء أكثر من 70 ألف شهيد، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، وإصابة أكثر من 170 ألف جريح، وتشريد 1.7 مليون نازح في المخيمات، فضلاً عن انهيار المنظومة الصحية؛ وهي الفظائع التي لم تُثر أي صدمة داخل "المجتمع اليهودي الإسرائيلي" لأن معاناة الفلسطينيين ظلت بعيدة وغير مرئية ومغيبة خلف جدار التعتيم.

وتتكرر هذه السياسة الانتقائية في الضفة الغربية ولبنان، حيث اندلعت عواصف إعلامية فقط عندما وثقت الكاميرات اعتداء المستوطنين في بعض القرى أو تدمير الكنائس، بينما بقيت عمليات محو عشرات القرى بأكملها غير مرئية وتمر دون اكتراث لغياب المقاطع المصورة؛ ما يرسخ الرسالة الحقيقية لـ "لمؤسسة الإسرائيلية" لجنودها ومستوطنيها: "استمروا في التدمير والإذلال والقتل، لكن لا تلتقطوا الصور ولا تنشروا الوثائق على الإنترنت".

المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "جاكي خوري"