"نتنياهو" الذي عرفته محبوباً وحذراً أصبح قاتلاً جماعياً متعطشاً للدماء
ترجمة الهدهد
لم يكن هناك ولن يكون "بنيامين نتنياهو" واحد؛ إذ تنقسم مسيرته السياسية بوضوح بين بداياتها ونهايتها، وأنا شخصياً أُقدّر بداياته، وأعترف بذلك علناً دون خجل، أما نهايته فقد غدت مدمرة وكارثية، لقد حملت بداياته بعض الوعود والإنجازات، في حين تدهورت نهايته بوتيرة مقلقة من انتكاسة إلى أخرى، دون أن يتمكن أحد من كبح جماحه.
كان "نتنياهو" في بداياته حذراً للغاية في استخدام القوة العسكرية، لدرجة أنه لم يشهد "تاريخ إسرائيل" رئيس وزراء آخر بمثل هذا الحذر، وسواء كان ذلك حذراً مدروساً أم جبناً، فإن "نتنياهو" يستحق الثناء عليه.
وفي المقابل فإن "إيهود أولمرت" – الذي يُعد اليوم أشجع رجال الدولة وأكثرهم راديكالية، والذي يرى في "ياير غولان" ممثلاً لليمين المتطرف – قد زجّ بـ "إسرائيل" في خمس عمليات عسكرية كبرى على الأقل خلال أقل من ثلاث سنوات من حكمه، وكانت جلّها غير ضرورية، أما "نتنياهو"، فقد وقع في بداياته ثلاث اتفاقيات دبلوماسية وخاض حرباً واحدة فقط في غزة طوال أول 17 عاماً من حكمه، لكن في 7 أكتوبر، انهار السد تماماً، وبدأ التدهور الكبير الذي لا تبدو له أي نهاية في الأفق.
في البداية، كان "نتنياهو" متحدثاً لبقاً، حريصاً على احترام هيبة القضاء، عازماً على صون مفهوم فصل السلطات، والديمقراطية، وسيادة القانون. وبالطبع، لم يكن يوماً ليبرالياً، ولم يؤمن للحظة بأن الفلسطينيين يستحقون أي حقوق، بل إن من المشكوك فيه أنه كان يعتبرهم بشراً متساوين معنا، إذ لم يلتقِ بهم إلا نادراً.
ومع ذلك، أدرك "نتنياهو" مبكراً أن على "إسرائيل" سلوك المسارين العسكري والسياسي معاً؛ فوقّع اتفاقيتي "واي ريفر" و"الخليل"، وسعى بجدية للتوصل إلى اتفاق مع سوريا، بل ووعد بإقامة دولة فلسطينية في خطاب جامعة "بار إيلان".
في ذلك الوقت لم يكن ليسمح لـ "إيتامار بن غفير" بالانضمام إلى حكومته لاعتباره غير مؤهل، ولم يكن ليعين "ديفيد زيني" سكرتيراً عسكرياً له بسبب نزعته الخلاصية المفرطة.
لكن السنوات القليلة الماضية دمرت الرجل تماماً، فدمر بدوره بلاده وغيّر وجه الشرق الأوسط، وسواء كان الدافع وراء ذلك هو الخوف من الملاحقة القضائية، أو القلق من الخسارة الانتخابية، أو النفوذ الأجنبي، فإن الثابت أن "نتنياهو" قد تغير كلياً، فبعد إضفاء شرعية لا تُغتفر على التيار "الكاهاني" – وهو أمر كافٍ وحده لتشويه إرثه – شَنَّ حرباً شعواء على النظام القضائي، وأحاط نفسه بالمتملقين والعنصريين والتافهين الذين كان "نتنياهو" الأول سيزدريهم حتماً. ثم جاءت الفرصة الكبرى في 7 أكتوبر.
منذ ذلك اليوم، تحوّل "نتنياهو" إلى رجل دولة متوحش، متعطش للدماء، انتقامي، ومثير للحروب، أصبح يوصف بأنه عنصري، و"كاهاني"، ومجرم دولي فارّ من وجه العدالة، ومنبوذ صدرت بحقه مذكرة توقيف دولية، إن دماء عشرين ألف طفل وتشريد ملايين البشر وتدمير منازلهم تقع تحت مسؤوليته المباشرة، وهذا الدمار ما زال مستمراً على قدم وساق.
ومنذ ذلك الحين، لم ينجح في أي أمر، ولن ينجح أبداً، ففي اللحظة التي تخلى فيها عن أبسط قيم القانون والإنسانية، حُسم مصيره ومصير بلاده معاً، إن جميع الحروب التي خاضها خلال العامين والنصف الماضيين كانت محكومة بالفشل الذريع والدموي؛ إذ لم يعد "نتنياهو" يعترف بلغة الدبلوماسية والاتفاقيات، بل بات لا يؤمن إلا بالقصف، والاغتيالات، وإراقة دماء الأبرياء عبثاً.
ونتيجة لذلك، تحولت إيران – التي لم تكن تهاجم "إسرائيل" مباشرة في السابق – إلى عدو أشد خطورة وضراوة من أي وقت مضى، ولا تتردد في توجيه الضربات متى شاءت، كما أصبحت الولايات المتحدة على وشك إحداث تغيير جذري في موقفها الاستراتيجي تجاه إسرائيل، ورغم كل هذا، ما زال "نتنياهو" يقف برأس مرفوع مكابراً.
واليوم، يتنقل ملايين اليائسين، والمنفيين، والمهجرين، والنازحين في أرجاء الشرق الأوسط بلا مأوى يؤويهم، وينضم إليهم مئات الآلاف من ذوي الاحتياجات الخاصة، والأيتام، والآباء الثكالى، وكل ذلك بسبب سياسات رجل واحد؛ فدماؤهم، ودمارهم، ومصيرهم المظلم حُسم كله بقرار من "نتنياهو".
من الصعب العثور على أمثلة تاريخية كثيرة شهدت هذا الحجم من الدمار والعنف الناجم عن سياسة رجل دولة واحد؛ فقد تحولت غزة إلى مقبرة واسعة، ويلحق بها جنوب لبنان، في حين تشهد الضفة الغربية انفجارات ميدانية هائلة – وكل هذا بسببه.
إن ذلك الرجل الذي ظهر ذات يوم في حفل عيد ميلاد زوجته "سارة" في منزل "بيني تزيبور"، استحال اليوم قاتلاً جماعياً، ومجرم حرب، وفاشلاً متكرراً، ولا يوجد في الأفق ما يمكنه إيقافه.
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "جدعون ليفي"