ترجمة الهدهد

تُثبت الجولة الأخيرة من العمليات ضد إيران مجدداً تصميم النظام ليس فقط على عدم الاستسلام، بل أيضاً على مواصلة القتال من أجل مصالحه الوطنية وشرفه، وفي أعقاب الخسارة غير المتوقعة في سوريا، يبذل النظام قصارى جهده لإظهار سيطرته وتعاونه مع حلفائه الآخرين – "حزب الله" في لبنان، و"الحوثيين" في اليمن، والفصائل في العراق.

ويهدف هذا التعاون إلى إظهار أنه على الرغم من الضربات القاسية التي تلقاها "محور المقاومة"، فإنه لا يزال يلعب دوراً في النضال ضد الولايات المتحدة و"إسرائيل" وحلفائهما.

إن الرد "الإسرائيلي" حتى الآن يقوم على معادلة أن ما لم يتحقق بالقوة سيتحقق بـ"مزيد من القوة"، إلا إذا أوقفهم "ترامب"، ومن بين الأقوال المنسوبة إلى "نتنياهو" في اجتماع لمجلس الوزراء سبق الهجوم على إيران في يونيو 2025 "شعب كالأسد": "لا تجدي القوة نفعاً إلا إذا كنت مخيفاً".

وماذا يحدث عندما لا تخيف القوة العدو، كما هو الحال مع إيران وحزب الله والحوثيين؟ حينها تُستخدم "المزيد من القوة"

وهذا الحل، كما ثبت بالفعل في الصراعات مع دول ومنظمات تحمل أيديولوجية عقائدية أو قومية وتملك تصميماً على عدم الاستسلام –وهو وضع يرون فيه التراجع أسوأ من الموت– لا يؤدي إلى "نصر" نهائي.

لقد حدث ذلك للأمريكيين في فيتنام وأفغانستان والعراق، وحدث للسوفيت في أفغانستان، ومن المرجح أن يحدث أيضاً لـ"بوتين" في أوكرانيا.

"القوة لا تجدي نفعاً إلا عندما يخشاك العدو" – ولكن ماذا يحدث عندما لا يخاف العدو؟

هل من حل إذن؟ وإن كان كذلك، فما هو؟ أولاً، تكمن الحكمة في إدراك أن مثل هذه الصراعات لا تنتهي فجأة، بل تستغرق وقتاً طويلاً. ثانياً، ثمة احتمال ألا تنتهي، بل ستستمر بدرجات تكتيكية متفاوتة من الحدة. لكن ثمة أيضاً "سبيل ثالث"، وهو تبني نهج "غير مباشر وسري"، يستخدم أعمال "التخريب والخداع" لتقويض العدو في عقر داره، بهدف إضعافه، وربما على المدى البعيد الإطاحة به.

تُستخدم هذه الطريقة في الواقع بشكل أساسي ضد إيران؛ ويكمن المنطق وراء التركيز على إيران في أن إلحاق ضرر جسيم بالقلب (طهران) سيؤدي أيضاً إلى إلحاق ضرر بالغ بالأعضاء (الحلفاء).

فعلى سبيل المثال عمل جهاز "الموساد" لسنوات في إيران وخارجها لـ"تخريب البرنامج النووي"، بما في ذلك "اغتيال الخبراء النوويين وقادة المشروع". وفي هذا السياق، يمكن أيضاً إدراج "نشاط الموساد داخل إيران" عموماً وبين "الأكراد" خصوصاً لـ "قيادة حركة للإطاحة بالنظام".

ورغم كل النجاحات التكتيكية التي تحققت على طول الطريق، لم يتحقق الهدف النهائي –المتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي أو الإطاحة بالنظام– ويعود ذلك جزئياً إلى التقليل من شأن صعوبة المهمة من جهة، والمبالغة في تقدير دوافع "الأكراد" لمقاومة النظام من جهة أخرى.

لذا، ينبغي أن يكون الهدف إضعاف الحلفاء، ولكن بأساليب أخرى.

في الواقع، يمكن اعتبار التغيير الذي طرأ في سوريا وأدى إلى إخراجها من دائرة التحالف درساً ومثالاً يحتذى به، إذ كان في المقام الأول نتيجة لتغيير داخلي بدأ بانتفاضة عام 2011، حيث ساهمت "إسرائيل" في هذه العملية بإضعاف النظام، بعبارة أخرى يجب أن تكون "العملية داخلية"، مع تقديم "إسرائيل" الدعم اللازم لها بـ"طرق متنوعة" تتناسب مع كل حالة على حدة.

"الطريق الثالث": كيف يمكن لإسرائيل أن تنتصر دون إطلاق النار بعد الآن

يتمثل التحدي الرئيسي للاحتلال في "حزب الله" في لبنان؛ فطالما احتلت "إسرائيل" أراضٍ هناك، فإنها تغذي أيديولوجية المنظمة، التي لطالما قدمت "الاحتلال الإسرائيلي" كمبرر لمواصلة الكفاح المسلح، مما يعزز روايتها باعتبارها حامية لبنان.

بناءً على ذلك، يسعى مخطط الاحتلال إلى دعم "العملية الداخلية" في لبنان للحد من نفوذ "حزب الله".

إن التحول في الخطاب اللبناني نحو التوصل إلى اتفاق مع الكيان يُعد أمراً بالغ الأهمية للاحتلال، لا سيما مع قيادة الرئيس والحكومة لهذه العملية. وهي عملية يخطط الكيان أن تشمل دول المنطقة (دول الخليج، وسوريا، والأردن، ومصر –ولكل منها دورها المرسوم) والمجتمع الدولي ومؤسساته، بما في ذلك الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، وغيرها.

 ويجب أن تتضمن عملية الحد من نفوذ "حزب الله" جوانب عديدة لا تقتصر على محاولة "نزع سلاح التنظيم وتزويد الجيش اللبناني بمزيد من الأسلحة"، بل هي "عملية سياسية دبلوماسية متكاملة" ستستغرق سنوات.

وينطوي المخطط على أن تواصل "إسرائيل" مساعيها للتوصل إلى اتفاق مع لبنان الرسمي، مما يشكل "حاجزاً بينها وبين حزب الله"، ويمكن تقديم "الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان سراً" على أنه مشروط بـ "نزع سلاح حزب الله"، مما يهيئ "أفقاً سياسياً" للبنان الرسمي، بينما يُراد للشيعة الذين نزحوا من قراهم في الجنوب أن يشكلوا محور ضغط على حزب الله، وأي إنجاز يحرز في هذا الصدد، يهدف الاحتلال إلى نسبته إلى مؤسسات الدولة اللبنانية.

وفي الوضع الراهن، يعجز الجيش اللبناني عن نزع سلاح حزب الله؛ ولتحقيق ذلك، يطرح المخطط ضرورة "تعزيز الجيش بالقوى البشرية والمعدات المتطورة"، ولا ترى "إسرائيل" داعياً للخوف من جيش لبناني أقوى؛ إذ يشكل مزيج من "الأسلحة الغربية" الممولة من دول الخليج، إلى جانب "تدريب الوحدات في الأردن أو مصر"، حلاً مناسباً للاحتلال.

والهدف النهائي ليس فقط تعزيز الجيش عسكرياً، بل تحويله إلى قوة قادرة على أداء المهام الأساسية لـ"جيش يهيمن على المنطقة"؛ قوة تحظى بثقة الطرفين، ويكون "جاذباً مادياً" لمن يخدمون فيه (فاليوم، على سبيل المثال، يتقاضى عنصر حزب الله راتباً يفوق بكثير راتب الجندي في الجيش)، وباختصار: "تحويل الجيش إلى مؤسسة مركزية في البلاد".

تُعد الطائفة الشيعية هي المحور الرئيسي في هذه الاستراتيجية، ويقودها رئيس البرلمان نبيه بري، رئيس "حركة أمل". فإذا كان "بري" قد أيد موقف حزب الله تأييداً كاملاً في السابق، فإن الدوائر اليهودية تزعم اليوم ظهور انقسامات داخل الطائفة في ضوء الخطاب الجديد.

ويتطلب هذا المسار تعزيزاً مبتكراً من وجهة نظر "إسرائيل"، بهدف "خلق بديل جاذب" لا يتماشى مع حزب الله، بقيادة الدولة اللبنانية هذه المرة. ويسعى الكيان والمجتمع الدولي لدعم هذا المسار من خلال تقديم مساعدات مالية ولوجستية لـ"إعادة بناء الجنوب"، على عكس ما فعله حزب الله في لبنان بأموال إيرانية بعد عام 2006؛ فحزب الله لا يقتصر على الصواريخ والأسلحة فحسب، بل يشمل أيضاً البنوك والعيادات والمتاجر المدعومة والمدارس وغيرها، ويُعد "دخول الدولة اللبنانية إلى هذا الفراغ"، بالتعاون مع جهات شيعية أخرى غير الحزب، هو المفتاح الصهيوني للمرحلة المقبلة.

أما الساحة الثانية للحلفاء فهي "الحوثيون" في اليمن، وخطر إغلاق مضيق "باب المندب" أمام "الملاحة الإسرائيلية" وتتمثل إحدى "الطرق المبتكرة" لإضعاف حكم "الحوثيين" في تقديم "الدعم المالي والعسكري واللوجستي" إلى "المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن"، الذي يسعى إلى إقامة دولة في جنوب اليمن، كما كان الوضع قبل توحيد الشمال والجنوب عام 1990.

يحظى هذا المجلس بدعم الغرب عموماً، والإمارات العربية المتحدة خصوصاً، ومنذ الهجمات على السفن في البحر الأحمر، رصدت "إسرائيل" مؤشرات على انفتاح بعض أعضاء المجلس على "التعاون غير المباشر مع إسرائيل ضد الحوثيين"، بل ووردت تقارير عن إمكانية الانضمام مستقبلاً إلى "اتفاقيات أبراهام" التطبيعية في حال قيام دولة جنوبية مستقلة.

تكمن المشكلة الرئيسية حالياً في الخلافات بين الإمارات والسعودية حول مصير اليمن، ولكن في حال التوصل إلى اتفاق، فإن قيام دولة في جنوب اليمن من شأنه أن يتحدى "الحوثيين" ويصرف انتباههم، وبذلك تعزز "إسرائيل" وجودها في منطقة ذات أهمية استراتيجية، على غرار "العلاقة السرية التي بنتها في أرض الصومال"، وإن لم يكن ذلك بالضرورة علنياً كما هو الحال هناك.

إن اتباع "سياسة إسرائيلية" كهذه في لبنان واليمن سيُنفذ في الخفاء عبر "تكتيكات الاستنزاف غير المباشر"، ولن يثير العداء الذي يثيره الاستخدام العلني والصارخ للقوة العسكرية. وهناك احتمال كبير، حسب "التقديرات الإسرائيلية"، أن تكون نتائج هذه السياسة على المدى البعيد أكثر فائدة لـ "إسرائيل" والمنطقة، كما ستساعد هذه السياسة "إسرائيل" على "الاندماج مجدداً في المنطقة"، لتصبح دولة "معترفاً بها". وبهذا المعنى، فإن "تقليل القوة" العسكرية الصارخة سيؤدي إلى "زيادة القوة" –ولكنها "قوة سياسية وأمنية خفية".

المصدر: "القناة 12"/ البروفيسور "إيلي فودا"، "ايتان يشاي"