تحليل: كيف تحوّل "نتنياهو" إلى "رجل مافيا" يبتز شعبه بالخوف؟
ترجمة الهدهد
يخوض "المجتمع الإسرائيلي" في الانتخابات المقبلة صراعاً نفسياً وسياسياً مصيرياً، لا يقتصر على استبدال الأحزاب، بل يمثل اختباراً فاصلاً بين الاستمرار في الارتهان لوهم المنقذ المطلق الذي يمثله "بنيامين نتنياهو"، وبين اتخاذ خطوة شجاعة للتخلي عن هذا الوهم، وتحمّل المسؤولية الأخلاقية والسياسية المشتركة، وكسر حلقة الشعور بالاضطهاد عبر بناء قوة سياسية يهودية عربية حقيقية.
وينطلق هذا التشخيص من مقاربة قدمتها الكاتبة "كارولينا لاندسمان" في صحيفة "هآرتس" العبرية، حيث كشفت أن تحركات" نتنياهو" الأخيرة لا تبحث عن مخرج للمستقبل، بل تستهدف طمس آثار فشله السياسي الذريع؛ إذ تعمّد تحويل الأجندة العامة من القضية الفلسطينية إلى الملف النووي الإيراني، منكراً صراع عام 1967، ليعيد شعبه ويهود الشتات إلى المخاوف الوجودية وعقدة الملاحقة التي سادت عام 1948.
ويمكن تفكيك البنية النفسية السياسية لـ "نتنياهو" استناداً إلى نظرية المحلل النفسي "هربرت روزنفيلد" حول "النرجسية المدمرة"، والتي تتنظم فيها الأجزاء التدميرية من الذات على شكل "عصابة داخلية" أو "مافيا" تسيطر على الشخصية عبر دورين متناوبين: "الإغراء" بالتميز والتفوق أولاً، ثم "الابتزاز" بجمع أموال الحماية وتخوين أي مساعدة خارجية لاحقاً.
وقد مر "المجتمع الإسرائيلي" بهاتين المرحلتين بدقة خلال سنوات حكم نتنياهو؛ ففي مرحلة "الإغراء" الأولى، انقاد "الإسرائيليون" وراء وهم السلطة المطلقة للدولة التي لا تخضع للمحاكم أو الحلفاء أو الحقائق، وصُنِع شيطنة لكل من يشير إلى أي قيد باعتباره عميلاً لـ "الدولة العميقة". ولكن بعد صدمة 7 أكتوبر، واصطدام الأوهام بجدار الواقع، بدلت "العصابة" دورها نحو "الابتزاز بالحماية"، حيث بات نتنياهو يستغل الضعف والقلق -اللذين شارك في خلقهما- كأهم أصوله السياسية، ليصوّر نفسه الحامي الوحيد وسط عالم مليء بالأعداء والحلفاء الخائنين.
ولا ينبع استمرار جاذبية "نتنياهو" من نزعته التدميرية فحسب، بل يتغذى على انبهار قطاعات واسعة بقائد "بلا ضمير" يُنظر إلى افتقاره للضوابط كمصدر قوة، بجانب الخوف المجتمعي من الانهيار الذي قد يصاحب الاعتراف بحجم الكارثة، وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ فالمنظومة المحاصرة لن تتراجع بهدوء، بل تسعى لجرّ المحيط بأكمله معها في دوامة تبتلع كل أثر لتأجيل لحظة الحسم والهروب من العدالة.
أما طريق التعافي والتخلص من هذه "السموم النفسية"، فلا يبدأ بانتخاب قائد أكثر قوة، بل بقطع التحالف مع الأجزاء المدمرة والعودة للاعتماد على الواقع والمؤسسات وعلاقات الثقة، وهو ما يفشل فيه معسكر "معارضي نتنياهو" الحالي الذي لا يزال يتحدث بلغة القوة العسكرية والتقنية ويهرب من محاسبة الضمير؛ متجاهلاً حجم الضرر الأخلاقي اللاحق بالأبرياء في قطاع غزة، والدمار المستمر في لبنان، والتدمير الممنهج للنسيج الاجتماعي الفلسطيني في الأراضي المحتلة.
إن البديل السياسي الحقيقي والمنشود ليس ذلك الذي يعِد بإعادة إسرائيل إلى سابق عهدها قبل "نتنياهو" دون تغيير جوهري، بل هو التيار المستعد لتحويل "الضمير الحزين" والمكلوم إلى قوة سياسية قادرة على تحمل الخسارة والمسؤولية، والاعتراف بأن المجتمع السليم لا يمكن أن يرهن مصيره بـ "منقذ" واحد مهما بلغت كاريزمته.
المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "إيران رولنيك"/ طبيب نفسي ومحلل نفسي