"نتنياهو" يعزز حزب الله
ترجمة الهدهد
افتتاحية "هآرتس"
يؤدي مسار مباشر وقصير نسبيًا، ينطلق من الرفض العنيد لحكومة "بنيامين نتنياهو" لتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار – الذي وُقِّع مع لبنان بوساطة أمريكية وفرنسية في نوفمبر 2024 – إلى الهزيمة السياسية غير المسبوقة التي تكبدتها "إسرائيل" في الأيام الأخيرة.
لأكثر من عام، أصرّت "إسرائيل" على التمسك بخمسة مواقع عسكرية داخل "لبنان"، بدعوى أهميتها الاستراتيجية، ويأتي هذا رغم تشكيك الكثيرين في أن هذه الأهمية المزعومة تفوق في حقيقتها الدوافع السياسية والأيديولوجية، والتي تمنح حزب الله مبررًا مستمرًا لمواصلة القتال ضد الاحتلال؛ وهو نضال يساعده بدوره على الحفاظ على مكانته كمنظمة عسكرية شرعية داخل لبنان.
وقد أدى رد حزب الله على اغتيال الزعيم الإيراني "علي خامنئي"، بعد أكثر من عام على دخول وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ، إلى تفعيل آليات الاستجابة التقليدية (البافلوفية) على المستويين السياسي والعسكري في "إسرائيل": والمتمثلة في احتلال المزيد من الأراضي، والتي بدأت "إسرائيل" الآن بالانسحاب منها تحت ضغوط مكثفة من إيران والولايات المتحدة ودول المنطقة.
وكانت النتيجة الرئيسية للمفاوضات المباشرة، التي انطلقت هذا الأسبوع بين الولايات المتحدة وإيران في "سويسرا"، هي اعتراف الولايات المتحدة بحق إيران في أن تكون شريكًا في إنفاذ وقف إطلاق النار في لبنان، فضلاً عن اعترافها بحزب الله كطرفٍ وسيط يتعين على "إسرائيل" التنسيق معه في ردودها العسكرية.
يأتي كل هذا بعد أن رفض "نتنياهو" لشهور طويلة إجراء مفاوضات حقيقية مع الحكومة اللبنانية؛ مفاوضات تقوم على تبادل البادرات والتنازلات من كلا الجانبين، وهكذا وكما جرت العادة في تاريخه السياسي الفاشل، عزز "نتنياهو" مرة أخرى موقف المتطرفين وأضعف موقف المعتدلين.
لقد وضع "نتنياهو" "إسرائيل" الآن أمام مفترق طرق خطير للغاية: فمن جهة: تراجعٌ من شأنه أن يمنح حزب الله"مزيدًا من المجد والدعم الشعبي، ويُتوّج إنجازات إيران بانتصارٍ كاملٍ لا لبس فيه، ومن جهة أخرى: تورطٌ دمويٌّ في دولةٍ مجاورةٍ من شأنه أن يُعمّق، أو حتى يُكمّل، الخلاف مع الإدارة الأمريكية؛ تلك التي لا تزال – كما قال نائب الرئيس "جيه. دي. فانس" – الصديق الوحيد والأخير لـ"إسرائيل" في العالم.
ويُؤمل الآن أن يتمسك "نتنياهو" بما تبقى لديه من عقلانية ليختار الشر الأقل: الانسحاب التدريجي – والكامل هذه المرة – من لبنان، مع الحفاظ على التنسيق الشامل مع الحكومة اللبنانية ومحاولة دعمها ومكافأتها – وليس حزب الله – قدر الإمكان.
تتواجد "إسرائيل" في بيئة معادية ومهددة، لكنها لا تستطيع ضمان أمن مواطنيها عبر السيطرة على أراضٍ ليست ملكًا لها واحتلالها. لقد أثبت وهم التمسك بالحصون الأمنية أن تكلفته السياسية والعسكرية تفوق جدواه أضعافًا مضاعفة. وهو بالتأكيد ليس بديلاً عن ضرورة إقامة علاقات قائمة على الاتفاقيات مع دول المنطقة، ومعالجة الخلاف المتفاقم مع الولايات المتحدة، وتبني سياسة واقعية تعيد لـ"إسرائيل" مكانتها وأمنها.