شبكة الهدهد

بناءً على التطورات الميدانية والسياسية المفصلة في التقارير والبيانات الصادرة حتى يوم الأربعاء 24 يونيو 2026، نُقدّم قراءة تحليلية شاملة للأحداث، تشمل ملخصاً موسعاً وتوثيقاً للمواقف الميدانية والسياسية، يليها تحليل تقدير موقف في نقاط، وخلاصة استراتيجية شاملة:

أولاً: الأوضاع الميدانية والسياسية (قراءة في الأحداث)

1. الجبهة الميدانية في قطاع غزة والضفة الغربية

  • قطاع غزة (العمليات العسكرية والوضع الإنساني): تستمر الآليات العسكرية والجرّافات الإسرائيلية في عمليات التجريف والتوغل، حيث تركزت في منطقة العطاطرة غرب مدينة بيت لاهيا (شمال القطاع) وحاصرت عائلات نازحة في خيامها.
    ونفّذ جيش العدو عمليات نسف شرقي مخيم جباليا، مع إطلاق نار مكثف من الدبابات جنوبي وشمال شرق خانيونس. وتسببت الغارات الجوية بدمار واسع في خيام النازحين بحي الشيخ عجلين ومحيط مدرسة "شهداء غزة" بحي التفاح.
    وعلى الصعيد الإنساني، أكدت منظمة الصحة العالمية خروج جميع مستشفيات غزة عن العمل بكامل طاقتها وسط نقص حاد في الوقود والمستلزمات يهدد مئات العمليات الجراحية، بالتزامن مع أزمة نزوح هائلة تشمل معظم السكان.
  • الملف السياسي لقطاع غزة (الهجرة والاتفاقيات): كشفت الأوراق عن عقد رئيس مجلس الأمن القومي الجديد للعدو "شموئيل بن عزرا"، اجتماعاً طارئاً وعاجلاً ضم الموساد والشاباك والجيش لبحث "تشجيع الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من غزة.
    وأفاد ممثلو الموساد بعدم وجود أي دولة في العالم مستعدة لاستيعاب الغزيين، فيما لم تنجح محاولات سابقة مع دول مثل أرض الصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
    وفي سياق آخر، كشف كتاب أمريكي جديد عن كواليس مكالمة عاصفة جرت سابقاً بين "دونالد ترامب" و"بنيامين نتنياهو" (صاغ بعدها جاريد كوشنر خطة سلام من 20 بنداً) أسفرت لاحقاً عن إنهاء الحرب في غزة وإطلاق سراح الأسرى العشرين المتبقين.
  • الضفة الغربية (تفشي عنف المستوطنين وانهيار القانون): كشف تقرير من معهد بحوث و"مؤسسات أمنية للعدو" (الجيش والشاباك) عن تصاعد حاد وغير مسبوق في عنف المستوطنين بالضفة الغربية؛ حيث سُجّلت 867 حادثة "جرائم قومية" في عام 2025 (بزيادة 27% عن 2024)، وارتفعت الهجمات الجسدية الخطيرة (إطلاق نار، إحراق منازل) بنسبة تجاوزت 50%.
    وتقف وراء هذه الهجمات مجموعة دائمة من اليمين المتطرف تضم نحو 300 ناشط (منهم نواة صلبة من 70 ناشطاً شديدي العنف). وبالمقابل، انخفضت التحقيقات شرطية العدو بنسبة 73% (فتح 60 ملف تحقيق فقط عام 2025 مقارنة بـ 235 عام 2023). وامتنع 61% من الضحايا الفلسطينيين عن تقديم شكاوى لعدم ثقتهم بالنظام وخوفاً من الانتقام، في ظل إحصائية تشير إلى أن 3% فقط من التحقيقات منذ عام 2005 أسفرت عن إدانات. وميدانياً، أقدم العدو ومستوطنوه على إحراق مئات أشجار الزيتون المعمرة في بلدة رمانة بغرب جنين واقتحام بلدات دير جرير، دير أبو مشعل، ترمسعيا، مادما، ومخيم شعفاط.

2. الجبهة اللبنانية والسورية والمفاوضات الإقليمية

  • الوضع الميداني والانتهاكات في لبنان: على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار السابق، سُجلت "خروقات إسرائيلية" ميدانية متكررة؛ حيث استهدفت "مسيرة إسرائيلية" بلدة كفرتبنيت، وأطلق الجيش النار على مدنيين وجرافة لإزالة الأنقاض في النبطية الفوقا مما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى.
    وأعلن حزب الله أن هذه الاستهدافات انتهاك فاضح للاتفاق. وفي غضون ذلك، بلغت حصيلة "العدوان الإسرائيلي" على لبنان منذ 2 مارس الماضي 4192 شهيداً و12171 مصاباً.
  • مفاوضات واشنطن والانسحاب الإسرائيلي: انطلقت في وزارة الخارجية الأمريكية الجولة الخامسة من المفاوضات بين "إسرائيل" ولبنان بوساطة أمريكية في مسارين سياسي وعسكري. وأكدت مصادر عبرية (القناة 13 وكان) أن "إسرائيل" تستعد -خلافاً للوعود السياسية لنتنياهو- لانسحاب جزئي وتدريجي من مناطق احتلّتها مؤخراً في جنوب لبنان لغرض التفاوض (بنسبة بضعة بالمئة جنوب الخط الأصفر).
    ويتضمن المقترح انتشار الجيش اللبناني (مثلاً في مرتفعات علي طاهر) بعد تدريبه برعاية أمريكية لضمان عدم وجود حزب الله. وهناك قلق متبادل من مقترح تشكيل غرفة عمليات لمنع الاحتكاك بمشاركة إيران، خشية منح طهران مكانة إقليمية جديدة.
  • المسار الدولي (المفاوضات الأمريكية - الإيرانية): تسير المحادثات بين واشنطن وطهران بناءً على مذكرة تفاهم جرى توقيعها في سويسرا. وتنص المذكرة على تجميد لرفع الحصار البحري عن إيران وتدفق قياسي للنفط عبر مضيق هرمز (19 مليون برميل يومياً)، مقابل تنازلات إيرانية تشمل قبول أعلى مستوى من التفتيش النووي من قِبل وكالة الطاقة الدولية، والاتفاق على مناقشة الملف النووي والعقوبات بالتفصيل خلال 60 يوماً. وأكد ترامب أن أموال إيران المفرج عنها ستوضع تحت رقابة واشنطن في حساب ضمان لشراء سلع إنسانية حصرياً من أمريكا. من جانبها، أعلنت الخارجية الإيرانية تشكيل آلية خماسية (بمشاركة إيران، أمريكا، قطر، باكستان، ولبنان) لمراقبة وقف الحرب في لبنان ومنع التصعيد. وفي واشنطن، صوّت مجلس الشيوخ بأغلبية (50 ضد 48) على قرار يدعو ترامب لوقف العمليات ضد إيران أو طلب موافقة الكونغرس.

3. الأوضاع الداخلية في "الكيان الإسرائيلي"

  • الابتزاز السياسي وموعد الانتخابات: يعيش الائتلاف الحكومي بقيادة "نتنياهو" أزمة وجودية؛ حيث نجح "نتنياهو" مؤقتاً في إبرام صفقة مع قادة الأحزاب الحريدية (غافني ودرعي) لتأجيل حل الكنيست مقابل التعهد بتمرير "قانون أساس دراسة التوراة" وقانون يمنع اعتقال المتهربين من الخدمة العسكرية هذا الأسبوع. وبموجب هذا الاتفاق، جرى تحديد 20 أكتوبر 2026 كموعد للانتخابات القادمة. وأثار هذا الاتفاق موجة غضب عارمة من أقطاب المعارضة (لابيد، غانتس، آيزنكوت، وفورير) الذين اتهموا "نتنياهو" بـ "بيع الدولة" وإضعاف الجيش في زمن الحرب.
  • الاحتقان الاجتماعي والعسكري الداخلي: يشهد كيان العدو اضطرابات واسعة؛ حيث تسيّر المجموعات الحريدية قوافل احتجاجية ضخمة من 19 نقطة نحو سجن 10 العسكري رفضاً لتجنيد المتدينين. وتواجه المنظومة الأمنية صراعاً داخلياً آخراً بعد إرسال 257 ضابطة رفيعة المستوى (بينهن حاملات رتب عميد وعقيد) رسالة تطالب بعدم الرضوخ لمطالب الحاخامات بمنع دمج النساء في الوحدات القتالية. واقتصادياً، أظهرت البيانات أن 41% من "الإسرائيليين" أُقيلوا أو تضرروا في أعمالهم بسبب استدعائهم لخدمة الاحتياط.
    وعلاوة على ذلك، يواجه "نتنياهو" فوضى داخل حزب الليكود بعد تهديده بالانسحاب ما لم تُضمن له 10 مقاعد محصنة في القائمة الانتخابية.

ثانياً: تقدير الموقف

  1. انكشاف وتآكل "الردع الإسرائيلي" إقليمياً: تراجع الطموحات العسكرية للعدو من "تفكيك حزب الله بالكامل" (حسب تصريحات سموتريتش) إلى القبول بانسحاب تدريجي وجزئي من جنوب لبنان برعاية أمريكية. الهجمات الميدانية الأخيرة المتقطعة لجيش العدو في الجنوب تُفسر محلياً بأنها محاولات من "نتنياهو" لإرضاء المعارضة والداخل، والهروب من تهمة "تكبيل أيدي المقاتلين".
  2. تسليم أمريكي بالتموضع الإيراني مقابل الاتفاق النووي: تعكس المحادثات الأمريكية-الإيرانية نجاح طهران في انتزاع اعتراف بدورها الإقليمي عبر إشراكها في آلية مراقبة وقف إطلاق النار في لبنان. ورغم لغة "ترامب" التهديدية والشروط الصارمة للتفتيش، إلا أن الاتفاق يمنح إيران متنفسًا اقتصادياً ضخماً عبر تسييل النفط واستعادة الأموال المجمدة، مع رفضها القاطع للتفاوض على صواريخها الباليستية.
  3. انتقال ثقل المخططات الإسرائيلية نحو الضفة الغربية (الضم والتهجير الصامت): بينما تشهد جبهات غزة ولبنان مسارات تفاوضية لانسحابات جزئية أو ترتيبات دولية (مثل وصول ضباط مغاربة للمشاركة في قوة تثبيت الاستقرار بغزة)، تندفع الحكومة الإسرائيلية نحو حسم الصراع في الضفة الغربية.
    غطاء شرعنة عنف المستوطنين وتواطؤ الشرطة يهدف إلى تهجير الفلسطينيين ومصادرة الأراضي لجعل خيار الدولة الفلسطينية مستحيلاً (كما حذّر لافروف).
  4. تفكك "الجبهة الداخلية الإسرائيلية" والتضحية بالأمن لأجل البقاء السياسي: يقدم "نتنياهو" نموذجاً لتقديم المصلحة الشخصية والانتخابية على الأمن القومي؛ رضوخه الكامل للحريديم عبر تشريع الإعفاء من التجنيد في ذروة الاستنزاف العسكري (تضرر 41% من جنود الاحتياط) يعمق الشرخ الاجتماعي داخل الجيش، ويؤلب الصهيونية الدينية والجمهور العسكري ضد القيادة السياسية.
  5. تزايد العزلة الدولية وتآكل "الرواية الإسرائيلية": اعتراف رئيس وزراء العدو السابق "نفتالي بينيت" بأن صورة "إسرائيل" باتت سلبية بشكل واضح في الولايات المتحدة، وصعود التيارات التقدمية الرافضة للدعم العسكري لإسرائيل في نيويورك (مثل فوز قائمة ممداني)، والتقارير الأممية الصارمة حول الجرائم ضد الأطفال، كلها مؤشرات على تراجع الدعم الدولي التاريخي وغير المشروط للكيان.

ثالثاً: التحليل الشامل

تُشير قراءة الأحداث في 24 يونيو 2026 إلى أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة صياغة للمشهد الجيوسياسي، تتراجع فيها خيارات "الحسم العسكري الإسرائيلي" المطلق لصالح الترتيبات السياسية الدولية والإقليمية المقيدة.

فمن جهة، نجحت الاستراتيجية الإيرانية وحلفاؤها في فرض توازنات جديدة أجبرت الإدارة الأمريكية والجانب الإسرائيلي على الانخراط في مسارات تفاوضية متوازية (سويسرا، واشنطن)؛ أسفرت عن اتفاقيات جزئية تضمن تدفق النفط ووقف التصعيد الإقليمي الشامل، مع بقاء أوراق القوة الأساسية (مثل الصواريخ الباليستية) خارج المقاصة.

وعلى "الصعيد الإسرائيلي" الداخلي، يقف الكيان أمام "أزمة بنيوية" حادة؛ حيث يتآكل التماسك الاجتماعي والعسكري بفعل الصراع حول التجنيد (الحريديم ضد الجيش)، وتتعمق الأزمة الاقتصادية والسياسية بنشوء صراعات داخل حزب الحُكم (الليكود) والمعارضة، وهو ما يفرز سياساً يسعى للبقاء الشخصي (نتنياهو) حتى لو كان الثمن تقييد حركة الجيش في لبنان أو القبول بمواعيد انتخابات اضطرارية (20 أكتوبر).

أمام هذا الانكفاء "العسكري الإسرائيلي" في غزة ولبنان، تجد المنظومة اليمينية المتطرفة تعويضاً استراتيجياً في تكثيف الهجوم على الضفة الغربية من خلال "عنف المستوطنين المنظم" والمحمي بأجهزة الدولة الفاشلة، والبحث المستمر في أروقة مجلس الأمن القومي عن آليات لـ "التهجير الطوعي".
هذا التوجه يُمثّل الخطر الفعلي القادم، حيث تسعى "إسرائيل" لحسم الديمغرافيا والجغرافيا في الضفة الغربية لقطع الطريق نهائياً أمام أي أفق سياسي مستقبلي للفلسطينيين، مستغلةً الانشغال الدولي بالاتفاقات الإقليمية الكبرى