شبكة الهدهد

أولاً: التطورات الميدانية

1. الملف الإيراني-الأمريكي: تصعيد عسكري مفتوح وحرب استنزاف بحرية

  • الضربات الجوية والاشتباكات: شنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) وسلاح الجو الأمريكي موجات متتالية من الغارات العنيفة استهدفت البنية التحتية العسكرية، ومواقع الدفاع الجوي، ومنشآت المراقبة الساحلية، ومواقع الصواريخ والمسيرات في مدن إيرانية عدة، من أبرزها: أهواز، وبندر عباس، وتسابهار، وكنارك، وسيريك، ومطار سمنان، بالإضافة إلى تفعيل الدفاعات الجوية في محيط العاصمة طهران ومنطقة بارشين.
  • حرب المضائق والحصار البحري: أعلنت واشنطن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية وتطبيق "ضريبة عبور" بنسبة 20% لحماية السفن التجارية في مضيق هرمز. وفي المقابل، أصر الحرس الثوري والبرلمان الإيراني على إبقاء المضيق مغلقاً أمام السفن المخالفة حتى اعتراف أمريكا بالترتيبات القانونية الإيرانية. وميدانياً، دمرت الدفاعات الإيرانية مسيرات أمريكية من طراز "لوكاس" و"MQ-9"، واستهدف الحرس الثوري قاعدة "علي السالم" الأمريكية في الكويت بالصواريخ والمسيرات.
  • البعد الدبلوماسي والمناورات: أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" أن الإيرانيين يريدون تسوية، مشيراً كبادرة حسن نية إلى سماح طهران لمواطنة أمريكية محتجزة بالمغادرة. وفي المقابل، أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف أن البلاد تخوض "حرباً وجودية"، وأن التفاوض لا يعني الاستلام بل هو جزء من استراتيجية المقاومة.
    كما عبر نائب الرئيس الأمريكي "فانس" عن إحباطه من الرافضين للحوار، مؤكداً أن الخيار العسكري وحده غير كافٍ لتأمين الملاحة.

2. الملف اللبناني-الإسرائيلي: مسار تفاوضي موازٍ للتصعيد الميداني

  • مفاوضات روما والمناطق التجريبية: انتهت جولة مباحثات مكثفة برعاية أمريكية في روما باتفاق إسرائيلي-لبناني مبدئي على "منطقتين تجريبيتين" بجنوب لبنان (إحداهما تحتلها إسرائيل والأخرى متاخمة لها) لانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجياً وانتشار الجيش اللبناني، كخطوة أولى لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله.
  • العمليات الميدانية: توازياً مع المفاوضات، واصل جيش العدو عملياته البرية؛ حيث طوق بلدتي "بنت جبيل" و"عيناتا"، ونفذ عمليات نسف ضخمة لمبانٍ في "كفر تبنيت" و"مجدل زون" جنوب لبنان، معلناً القضاء على 3 من عناصر حزب الله في بيت ياحون.

3. الأوضاع الميدانية والإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية

  • الميدان في غزة: نفذ جيش العدو عمليات تفجير ونسف واسعة النطاق لمبانٍ سكنية في شمال قطاع غزة، وشرق مدينة غزة، وجنوب خانيونس. وشهدت مناطق دير البلح، ومخيمات المغازي، والنصيرات، والبريج غارات جوية مكثفة وقصفاً مدفعياً عنيفاً بعد توجيه إنذارات بالإخلاء، مما خلف عدداً من الشهداء والعديد من الإصابات.
    وميدانياً توغلت آليات جيش العدو في حي الزيتون (جنوب غزة) وبلدة بيت لاهيا (شمالاً)، في حين أعلن جيش العدو سيطرته على 67% إلى 70% من مساحة القطاع.
  • الوضع الإنساني: يواجه القطاع أزمة إنسانية خانقة؛ إذ تظاهر آلاف النازحين احتجاجاً على إهمال المؤسسات الإغاثية. وحذر رئيس قسم العيون بمستشفى الأمل بخانيونس من توقف العمليات الجراحية بسبب شح المستلزمات الطبية.
    وعلى الصعيد السياسي الإغاثي، بحثت "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" مع "مجلس السلام" تسريع الخدمات وإطلاق مبادرة "فريق غزة" لحشد مليار دولار بدعم دولي للتعافي المبكر.
  • الضفة الغربية والقدس: تواصلت اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى بحماية جيش العدو (677 مستوطناً). وفي جنين، كُشف عن خارطة عسكرية جديدة للاحتلال تتضمن معسكرين داخل مناطق (أ) وشبكة حواجز لتطويق المدينة. وشهدت قرى الخليل ورام الله ونابلس هجمات مكثفة للمستوطنين تخللها إشعال النيران في الأراضي والاعتداء على المواطنين بالضرب والدهس ورشق المركبات.

4. المشهد السياسي الداخلي في كيان العدو

  • البرلمان والتشريع (صفقة الائتلاف الحكومي): واصل الائتلاف الحكومي بقيادة "نتنياهو" تمرير قوانين يهودية وشخصية مثيرة للجدل لإرضاء الأحزاب الحريدية مقابل بقائه في السلطة. وصادق الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة على "قانون إلغاء إصلاح الكشروت" (للحفاظ على احتكار الحاخامية)، وقانون "تقسيم وإضعاف مهمات المستشارة القضائية للحكومة"، وقانون "عدم اعتقال المتهربين من التجنيد" (الذي جمدته المحكمة العليا مؤقتاً لاحقاً).
  • الانتخابات والتوتر السياسي: تسود "الساحة الإسرائيلية" أجواء انتخابات مبكرة تظهر فيها الاستطلاعات تقدم الليكود بـ 22 مقعداً يليه حزب "يشار" بـ 21 مقعداً. وتحدثت تقارير عن دراسة وزارة المواصلات تقليص الرحلات الجوية القادمة من الخارج لمنع المغتربين من التصويت للمعارضة. وهاجم "محللون إسرائيليون" "نتنياهو" متهمين إياه بفقدان الكوابح وتصفية مؤسسات الكيان لغايات انتخابية وشخصية.

ثانياً: تحليل لتقدير الموقف (في نقاط مركزة)

  1. معادلة ردع أمريكية-إيرانية جديدة: تشير الموجات المتتالية من الغارات الأمريكية والقصف الإيراني المضاد للقواعد الأمريكية والكويتية إلى أن الطرفين يقتربان من حافة الهاوية.
    "إدارة ترامب" تحاول استخدام "الدبلوماسية الخشنة" والضغط العسكري الأقصى لإجبار إيران على التفاوض بشروط جديدة، بينما تسعى إيران لإثبات أن تكلفة الحرب ستكون باهظة جداً على الاقتصاد العالمي وأمن حلفاء واشنطن في الخليج.
  2. "ضريبة هرمز" كأداة ضغط جيوسياسية: فرض "ترامب" لرسوم بنسبة 20% حرك غضب شركات الشحن وحلفاء واشنطن كدول الناتو والصين. يهدف "ترامب" من ذلك إلى معاقبة القوى الدولية التي رفضت الانخراط عسكرياً ضد إيران، وتحميلها كلفة الحماية الأمنية، وهو ما قد يتسبب في أزمة طاقة وتضخم اقتصادي عالمي.
  3. فصل مسارات الجبهات: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع أطراف إقليمية ودولية إلى تفكيك وحدة الساحات؛ فبينما يستعر الصراع مع إيران، يتم تسريع مسار التفاوض اللبناني-الإسرائيلي برعاية أمريكية (صيغة المناطق التجريبية) لتحييد جبهة جنوب لبنان، والتفرغ للمعركة الكبرى مع طهران.
  4. ابتزاز "نتنياهو" السياسي واستنزاف الدولة: يظهر بوضوح أن "بنيامين نتنياهو" يرهن "أمن إسرائيل" ومؤسساتها الدستورية والقضائية لمتطلبات بقائه السياسي والانتخابي. تمرير القوانين الحريدية الاستثنائية (الكشروت، تجميد اعتقال المتهربين) وإضعاف المستشارة القضائية يعكس رضوخاً كاملاً لليمين المتطرف على حساب تماسك الجيش وثقة "الجمهور الإسرائيلي".
  5. مخطط حسم الصراع في الضفة وغزة: تشير المعطيات الميدانية (السيطرة على 70% من غزة، وعمليات النسف الواسعة، والخرائط العسكرية الجديدة في جنين، وتوسيع مستوطنة مسكيوت بالأغوار الشمالية) إلى أن إسرائيل لا تسعى لمجرد عمليات موضعية، بل تعمل على فرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد ينهي إمكانية قيام دولة فلسطينية، مستغلة الانشغال الدولي بحرب هرمز.

ثالثاً: تحليل شامل

يقف الشرق الأوسط في منتصف يوليو 2026 على أعتاب إعادة تشكيل كاملة لخرائطه السياسية والأمنية بفعل تداخل ثلاثة مسارات ساخنة:

  • المسار الأول (الإقليمي-الدولي): الصدام المباشر بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج العربي ومضيق هرمز. هذا الصدام تجاوز مرحلة الحلفاء إلى المواجهة المباشرة (قصف القواعد الأمريكية مقابل غارات مدمرة داخل العمق الإيراني). وعلى الرغم من لغة النار، فإن النبرة الدبلوماسية لـ "ترامب" وتصريحات نائب الرئيس "فانس" ورئيس البرلمان الإيراني قاليباف تؤكد أن الهدف النهائي لكلا الطرفين هو تحسين شروط التفاوض على مائدة حتمية، مع إدراك واشنطن لصعوبة حسم ملف الملاحة والملف النووي بالوسائل العسكرية وحدها.
  • المسار الثاني (اللبناني): تبرز مفاوضات روما كقناة خلفية لتخفيف التوتر، حيث تبدو الرغبة المشتركة قوية في إنجاز انسحابات تجريبية تضمن إبعاد شبح الحرب الشاملة عن لبنان وتتيح للجيش الإسرائيلي التفرغ لجبهة إيران وغزة.
  • المسار الثالث (الفلسطيني): يمثل قطاع غزة والضفة الغربية ساحة مستباحة لترسيخ وقائع احتلالية دائمة. في غزة، يجري الانتقال تدريجياً لفرض لجان إدارة محلية ودولية (بدعم مانحين ومشاركة دول عربية كالمغرب) للتعامل مع واقع ما بعد الحرب، في حين يستمر التدمير المنهجي للمربعات السكنية. وفي الضفة، يتكامل إرهاب المستوطنين المدعوم حكومياً مع خطط الجيش لتطويق المدن الكبرى (كجنين) لإنتاج نظام معازل أمنية مغلقة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة:

  1. السيناريو الأرجح: التوصل إلى تهدئة أو "مذكرة تفاهم مؤقتة" جديدة بين واشنطن وطهران بعد جولة استنزاف متبادلة قصيرة، يرافقها تطبيق تدريجي لاتفاق جنوب لبنان التجريبي.
  2. السيناريو البديل: تدحرج جبهة الخليج إلى مواجهة إقليمية أوسع تشترك فيها أطراف عربية بشكل مباشر (بعد اعتراض صواريخ ومسيرات فوق الكويت واليمن)، مما يخلط الأوراق السياسية قبل الانتخابات الأمريكية و"الإسرائيلية" الوشيكة.