ترجمة الهدهد

إن المفهوم الحقيقي الخاطئ الذي تسبب في الفشل الاستخباراتي والعسكري الشامل في 7 أكتوبر يكمن في حالة اللامبالاة المطلقة والنزع السلبي للإنسانية تجاه الفلسطينيين في قطاع غزة، وتجاهل تطلعاتهم الملحة لكسر الحصار المحكم المفروض عليهم منذ عام 2007.

بدأت مؤشرات هذا التجاهل قبل سنوات طويلة من الهجوم؛ فقبل خمس سنوات كاملة من الأحداث، ألقى "جاكي حوجي"، المراسل المخضرم للشؤون العربية في صحيفتي "معاريف" و"جالي تساهال"، محاضرة أمام كبار المسؤولين في القيادة الجنوبية لجيش العدو، حذرهم فيها من أن الضغط الشعبي المتزايد على حماس لإنقاذ السكان من الحصار سينفجر حتماً على طول السياج الحدودي وسيُشكل خطراً أمنياً داكناً على المجتمعات المحلية المحيطة بالقطاع.

غير أن رد المؤسسة الأمنية للعدو جاء مستخفاً ومحكم الإغلاق أمام التحذيرات؛ إذ اكتفى أحد ضباط المخابرات بالسخرية قائلاً: "ما الخطر الذي تراه في ثلاثة آلاف مثير للشغب؟"، واعتبر جيش العدو حينها المظاهرات قرب السياج مجرد استعراض إعلامي للضغط والدعاية العالمية.

في المقابل، كانت قيادة المقاومة في غزة تدرس "إسرائيل" بدقة متناهية؛ حيث استعرض الكتاب تجربة يحيى السنوار، الذي انتُخب رئيساً للمكتب السياسي في غزة عام 2017 وجعل كسر الحصار هدفه الأسمى.

وتجلت الفجوة المعرفية بين الجانبين في تخصص السنوار خلال سنوات سجنه بدراسة "التاريخ الإسرائيلي" واليهودية عبر الجامعة المفتوحة، وحصوله على علامة 94 في مقرر "من المنفى إلى الانتفاضة" و96 في "تاريخ الحركة الصهيونية"، فضلاً عن ترجمته لكتب حول "الأحزاب الإسرائيلية" وسير قادة "الشاباك" مثل "يعقوب بيري" و"كارمي جيلون"، وكتابته رواية "الشوك والقرنفل" التي تعكس قراءته العميقة لـ "المجتمع الإسرائيلي"، في حين لم تملك "النخبة الإسرائيلية" أي فضول فكري أو معرفي لفهم الواقع الفلسطيني.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، بعث السنوار بمرئياته بوضوح عبر رسائل مباشرة من وسطاء ومبعوثين قطريين وضباط مخابرات مصريين، موضحاً أن حماس لن تلعب دور حرس الحدود لـ "إسرائيل" مثل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وأن إطلاق النار وسيلة لرفع الحصار الذي بإنهائه يتوقف العنف.

إلا أن "الحكومات الإسرائيلية" المتعاقبة، بدءاً من حكومة "بنيامين نتنياهو" وصولاً إلى حكومة "نفتالي بينيت" و"يائير لابيد"، تعاملت مع القضية باستهانة واعتبرت التهديدات مجرد "ثرثرة"، مستعيضة عن الحلول السياسية بترتيبات المساعدات المالية وحقائب الأموال القطرية للسيطرة على القطاع، مع توهم أن الدولارات تسديد لترتيب دائم ومريح يُغني عن البحث في مستقبل غزة.

وتجلى الفشل الاستخباراتي ليلة 7 أكتوبر في العقلية النمطية القائمة على رؤية الفلسطينيين كـ "عرب يرتدون الشباشب" غير قادرين على التخطيط أو شل "التكنولوجيا الإسرائيلية" المتطورة، وهي العقلية التي صنفها عالم الاجتماع "ياغيل ليفي" بـ "النزع السلبي للإنسانية".

ووفقاً للتحليل الذي أورده المحلل العسكري "عاموس هاريل" في كتابه "06:29"، فإن رئيس الأركان "هرتسي هاليفي" وقادة جهاز "الشاباك" ورئيس مديرية الاستخبارات "أهارون حليفا"، الذين يواظبون دائماً على استحضار دروس حرب أكتوبر، لم يستدعوا القوات الجوية أو يعقدوا اجتماعات طارئة ليلة الهجوم برغم الإشارات الأولية، وهو سلوك يختلف تماماً عما كان سيحدث لو رُصدت تحركات غير معتادة لحزب الله أو الصواريخ الإيرانية.

اختتم المقال بالتحذير من أن الصدمة الناجمة عن أحداث 7 أكتوبر وحملات الانتقام الدموية اللاحقة لم تؤدِّ إلى مراجعة استراتيجية، بل غذت أدبيات تنكر التاريخ وتعتمد حصراً على القوة المفرطة.

وأكد التقرير أن إجماع الأطراف السياسية في "إسرائيل" على عدم تقديم أي أفق مستقبل للفلسطينيين يعكس سذاجة استراتيجية خطيرة؛ لأن قمع التطلعات نحو الحرية والكرامة لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وأن التعرف على واقع الجانب الآخر وشروطه ليس مجرد موقف أخلاقي أو إنساني، بل هو قضية محورية حاسمة لحماية الأمن القومي.

المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "نوعام شيزاف"