الأكاذيب التي أدت إلى مؤامرة "تمرد الجنرالات"
ترجمة الهدهد
سقطت الرواية الانتخابية التي أعدها فريق "بنيامين نتنياهو" بعناية عبر اتهام قيادات المؤسسة العسكرية بـ "تمرد الجنرالات" و"الخيانة"، وذلك عقب ارتكاب القائمين على حملته خطأ حاسماً في التقدير أدى لتصادم متناقض بين تصريحات زوجته "سارة" ورواية رئيس وزراء العدو نفسه بشأن أحداث 7 أكتوبر.
وأكد الكاتب "رونين بيرغمان" أن هذه الحملة -التي بلغت أوجها مع نفي "سارة نتنياهو" تهمة الخيانة عن نفسها في سياق تصريحاتها ضد "يائير غولان"- كشفت زيف الادعاءات التي تزعم أن "الجيش الإسرائيلي" و"الشاباك" أخفيا معلومات الهجوم عمدًا عن "رئيس الوزراء" للسيطرة على قرار السلم والحرب، مشيراً إلى أن محاولة إنقاذ "سارة" قضائياً قضت تماماً على المؤامرة التي نسجها زوجها.
وفي تفاصيل المشهد الانتخابي والإعلامي، كان من المقرر أن تشهد هذه الفترة الذروة الكبرى لحملة "بنيامين نتنياهو" عبر طرح وثيقة من 55 صفحة، يرافقها كتاب ومسلسل وثائقي بعنوان "تمرد الجنرالات" على "القناة 14"، يهدف إلى تحويل الفشل الاستخباري الميداني إلى مؤامرة وانقلاب نفسي مقصود.
واستندت هذه الدعاية على ترويج مصطلحات مسيسة مكثفة، حيث أحصت حركة الصحافة العامة تكرار مصطلح "تمرد الجنرالات" 267 مرة خلال 46 يوماً على "القناة 14"، مع ارتفاع غير مسبوق في استخدام مفردتي "جنرالات" و"انقلاب" عبر وسائل الإعلام الموالية لـ "الليكون"، وذلك بهدف ترسيخ إيحاءات تُشبه المجالس العسكرية والانقلابات الاستبدادية، واستهداف شخصيات أمنية وسياسية مثل "غادي آيزنكوت" و"رونين بار" و"هرتسي هاليفي".
غير أن التضارب أربك هذه الاستراتيجية عندما خرجت "سارة نتنياهو" باتهامات ضد "يائير غولان" تُشكك في بطولته صبيحة الهجوم وتزعم أنه كان يرتدي بزته ومستعداً "حين لم يكن الآخرون يعلمون - مثل رئيس الوزراء".
ورداً على تهديدات بتقديم دعوى تشهير ورغبة منها في نفي مفردة "الخيانة"، اضطرت "سارة" للادعاء بأن المعلومات لم تكن إنذاراً حقيقياً؛ وهو ما خلق تناقضاً قاتلاً: فكي تنقذ "سارة" نفسها قضائياً يجب أن تكون المعلومات مجرد تقييمات أولية خاطئة استيقظ بناءً عليها الجميع بالصدفة، أما لإنقاذ مخطط "بنيامين نتنياهو" فيجب أن تكون المعلومات واضحة ومؤكدة جرى إخفاؤها عمداً لمنعه من التحرك، ولا يمكن للروايتين أن تصحا معاً.
وعلى صعيد الوقائع الميدانية ومسارات الإبلاغ ليلة الهجوم، تفند البيانات الرسمية الادعاء القائل بوجود إخفاء متعمد للمعلومات؛ ففي حدود الساعة الثانية صباحاً، تلقى ضابط الاستخبارات التابع لرئيس وزراء العدو إشارات مقلقة، وفي الساعة 3:50 صباحاً اتصل الضابط المناوب في قسم الأبحاث للتأكد من اطلاعه عليها، كما وصلت المعطيات إلى مقر "مجلس الأمن القومي" التابع لرئيس وزراء العدو.
وتثبت هذه الخطوات أن المؤسسة الأمنية لم تُخفِ البيانات بل أرسلتها عبر مسارين داخليين، وأن عدم تصعيدها يعود إلى إجماع أمني -تبين خطؤه لاحقاً- بعدم وجود خطر وشيك.
كما أن القواعد المتبعة منذ فضيحة "الخط 300" تفرض أن تمر كافة الاتصالات العسكرية عبر "السكرتير العسكري" حصراً وليس عبر اتصالات مباشرة بين رئيس "الشاباك" ورئيس وزراء العدو كما ادعى رواد الحملة.
تتضمن الرواية التآمرية التي صاغها الكاتب "إيريز تادمور" والمحلل "يوناتان دوخوه هاليفي" تلاعباً بالنصوص الأكاديمية العسكرية، حيث اقتطعا أجزاءً من مقال نُشر عام 2019 في مجلة "معرخوت" للعميد الراحل "أميت ساعر" حول آليات تجنب التصعيد غير المخطط له، وحوّلا أفكاره إلى "عقيدة أمنية" مزيفة أطلقا عليها اسم "الاحتواء الأقصى"، وزعما أن تحذيرات المقال أصبحت دليلاً على مؤامرة نفذها القياديان "رونين بار" و"هرتسي هاليفي"، على الرغم من أن المقال الأصلي لم يتضمن هذا المصطلح مطلقاً وكان يتحدث عن مرونة "الهجمات الإسرائيلية" المباغتة وليس استيعاب هجمات حماس.
كما تهاوت المؤامرات الموازية التي حاول فريق "بنيامين نتنياهو" الترويج لها سابقاً؛ مثل أسطورة "الخيانة من الداخل" التي ادعت وجود متواطئين فتحوا البوابات لل مهاجمين، ونظرية "عقيدة الرفض" التي زعمت أن"يحيى السنوار استغل حركة الاحتجاجات الداخلية للكيان لشن الهجوم.
وقد نُفيت الأخيرتان عبر تقارير استخبارات حماس نفسها الصادرة في يوليو 2023 والتي أكدت أن الاحتجاجات لم تؤثر على كفاءة جيش العدو، وكذا من خلال الوثائق الرسمية التي قدمها "بنيامين نتنياهو" إلى "مراقب الدولة" وأقر فيها بأن الأوضاع الداخلية لم تكن سبباً في اختيار توقيت الهجوم.
وفيما يتعلق بسلوك رئيس وزراء العدو صبيحة 7 أكتوبر، فإن السجلات تفند ادعاءاته بأنه كان سيتخذ قرارات حاسمة ليلة الهجوم لو جرى إيقاظه؛ إذ أظهرت الوقائع أنه لم ينفذ أي إجراءات استثنائية فور استيقاظه، بل وافق على كافة توصيات جيش العدو ووزيره وظل محاطاً بتساؤلات حول تأخر اجتماعه الأمني الأول حتى الساعة 10 صباحاً، وما استغرقه موكبه وحجب تفاصيل اتصالاته لثلاث ساعات ونصف.
ويخلص المقال إلى أن المحاولات المستمرة لتزييف الحقائق، وسحب الوثائق من قواعد البيانات، واستغلال اسم "أميت ساعر" بعد وفاته، قد انهارت أمام التناقضات القضائية والشواهد الميدانية، لتتحول الحملة الإعلامية إلى خطأ تقديري فادح أطاح برواية التآمر برمتها.
المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"