ترجمة الهدهد

تطرق الباحث "ميخائيل ميلشتاين" إلى جولة الصدامات الحالية لـ "إسرائيل" مع العالم في السياق الفلسطيني، مؤكداً أنها تترافق مع مفهومين؛ يتمثل الأول في الإشارة إلى "الدوافع الخفية" وراء الخطوات المتخذة ضد "إسرائيل" مثل قرارات مقاطعة سلع وخدمات الضفة الغربية وتعاظم النفوذ الإسلامي في الغرب (الذي دفع "بنيامين نتنياهو" للقول مازحاً إن بريطانيا أصبحت "أول جمهورية إسلامية نووية")، إلى جانب السذاجة والنفاق و"معاداة السامية".

أما المفهوم الثاني فيتجسد في الصرخة اليائسة في أعقاب تصاعد العنف اليهودي بالضفة الغربية كـ "وباء" يضر بمشروع الاستيطان ويمكن حله عبر "التواصل الجيد".

وأوضح الكاتب أن الأزمة التي تفاقمت منذ الأسبوع الماضي مع بريطانيا تكشف عن نقطتي ضعف "إسرائيليتين"؛ تتعلق الأولى بجوهر المشكلة، حيث لا ينزعج العالم فقط من تصاعد العنف اليهودي بالضفة الغربية المترافق مع قصور أمني ودعم ضمني من أعضاء التحالف، بل يمتد الانتقاد لدعم الخطاب السياسي في "إسرائيل" للرفض التام لأفكار التسوية، والتزام تسريع الاستيطان، وتطعيم أهداف متطرفة.

وتتعلق النقطة الثانية بالادعاءات غير المقنعة حول ضرر "حفنة" من العنيفين، إذ يطال الضرر النزاهة الأخلاقية والقيم الأساسية، فضلاً عن إدراك العالم للتناقض المستحيل في "السياسة الإسرائيلية" التي تشجع إنشاء مزارع استيطانية بلا أساس قانوني ثم تُبدي "الدهشة" من تصاعد العنف وتدهور الصورة.

وأضاف "ميلشتاين" أن الردود في القيادة تعكس إنكاراً للواقع عبر الإشادة بخطوات حادة مثل إغلاق القنصلية البريطانية وإخراج ممثلي المملكة ودول أوروبية من مقر المجلس الاستشاري في "كريات جات"، وهي خطوات مُشبعة بتبريرات مفادها "أننا وحدنا على صواب والعالم أحمق ويمكننا العيش بمعزل عنه"، دون أي محاولة لتوضيح المشكلات العميقة أو إدراك أن هذه الردود لا توقف تدهور مكانة "إسرائيل" الدولية المتوقع تفاقمها.

وأشار المقال إلى أن العالم لا يُبدي أي إعجاب بالجهود الدعائية والإجراءات المضادة؛ فالمشاهد الواردة من الضفة الغربية تُرسّخ صورة ما يحدث، كإصابة فلسطيني برصاصة في ساقه من مسافة قريبة ("تجاوز إداري")، وسيطرة أطفال مستوطنين على ملعب كرة قدم في قرية فلسطينية، وبودكاست لـ "بتسلئيل سموتريتش" زعم فيه ضرورة خوض حرب بمفردهم في الضفة، وإنشاء بؤرة استيطانية قرب بلدة "مجد الكروم" في الجليل لتقليد نموذج الاستيلاء على الأراضي، مصحوبة بصور لجنود من "الجيش الإسرائيلي" يشاركون في أعمال العنف.

وشدد الكاتب على أن "إسرائيل" تعيش في عزلة تشكلت بفعل روح قديمة مفادها "العالم بأسره ضدنا"، وروح حالية تصوّرها كـ "إسبرطة جديدة"، مستمرة في التصرف بانطباع أن أحداث 7 أكتوبر تُبرر لها كل شيء، متجاهلة توقف العالم عن منحها أي اعتراف بالنصر ونظرته إليها كـ "دولة" في حالة اضطراب.

كما يظهر رئيس الولايات المتحدة "دونالد ترامب" أكثر تردداً في تقديم الدعم الاستراتيجي، بحسب ما اتضح من حياده تجاه الخطوة البريطانية الأخيرة التي كانت ستثير سابقاً انتقادات أمريكية لاذعة.

واختتم الدكتور "ميلشتاين" بالتأكيد على أنه لا ينبغي الاستخفاف بادعاءات الانفصال عن الواقع أو الرد عليها بحجج انعدام الوطنية؛ فمن الممكن تأييد التوسع الاستيطاني ورفض التسوية وقبول الإرهاب كأمر واقع، لكن من المهم إدراك طبيعة الدولة الناتجة عن ذلك: وطن بلا فواصل لشعبين متخاصمين بوضع مدني مختلف، معزولين ومطرودين في العالم، تحركهم رؤية طائفية دينية يخوضون حروباً أبدية وتتفشّى بينهم الانقسامات، مما يشكّل خطراً وجودياً غير مسبوق.

المصدر: "يديعوت أحرنوت"/ د."ميخائيل ميلشتاين"، باحث أول في مركز "دايان" بجامعة "تل أبيب"