اغتيال استعراضي
✍️ بقلم / أدهم أبو شوقة
باستخدام مركبات مدنية وعبر المسارات الرسمية دون معيق، شقت وحدة "يمام" الخاصة طريقها إلى وسط المدينة بعد أن سبقتها وحدات تأمين وقناصة، اعتلت أسطح المنازل المحيطة بمسرح الحدث ليبدأ العرض.
تقترب مركبة المطاردين الثلاثة من الشرك المُعد لها فتباغتهم سيارة الجنود وتصطدم بهم، يترجل الجنود بسرعة، ويبادرون بإطلاق نحو ٨٠ رصاصة أصابت معظمها الجزء العلوي، من المركبة ما أدى إلى استشهاد الشبان على الفور، يتوجه أفراد القوة بهدوء نحو المركبة للتأكد من إتمام المهمة، والاستيلاء على البنادق، ومن ثم يغادرون، تتصدر هذه المشاهد عناوين الصحف ونشرات الأخبار لتصف عملية الاغتيال بالهوليودية، انتهت العملية بهذا الشكل مخلفة وراءها فاجعة، والكثير من التساؤلات والوجوم.
غالباً ما تنتهي عمليات المطاردة لرجال المقاومة في أنحاء الضفة الغربية باعتقال المطاردين، وقلما تكون باستشهادهم، وذلك ضمن سياسة إسرائيلية متبعة تجاه هذه البقعة الجغرافية، خوفاً من حالة غضب تهدد حياة مستوطنيها المتواجدين في أنحائها كافة، كون الدم لا يجلب إلا الدم، وطبائع النفوس مجبولة على الثأر والانتقام.
من الواضح أن هذه العملية لم تهدف إلى تحييد أفراد الخلية عبر الاعتقال، أو الإصابة غير القاتلة، خاصة مع الادعاء "الإسرائيلي" بعزم الخلية تنفيذ استهداف جديد لقوات الجيش، فمن خلال الكمين المُعد كانت هنالك فرصة شبه مؤكدة لإلقاء القبض عليهم أحياء، ولكن الهدف مختلف هذه المرة، وهو القتل.
أدت عملية الاغتيال إلى ارتقاء ثلاثة شهداء، وهم أدهم مبروكة، أشرف المبسلط، ومحمد الدخيل (رحمهم الله)، إحدى الخلايا التابعة لكتائب شهداء الأقصى الذراع العسكرية لحركة فتح، حيث نفذ هؤلاء الشبان العديد من عمليات إطلاق النار تجاه قوات الجيش في الآونة الأخيرة.
أهداف عملية الاغتيال
أحدثت عملية الاغتيال بهذا الشكل صدمة لدى الشارع الفلسطيني بعد طول غياب لمثل هذا النوع من الاغتيالات خلال انتفاضة الأقصى.
لم تكن أجهزة الأمن "الإسرائيلية" لتنفذ هذا الاغتيال بتلك الطريقة البشعة والمستفزة في وضح النهار وباللباس العسكري لولا أنها أمنت جانب ردود الفعل التنظيمية، كون المستهدفين لا يتبعون تنظيما يمتلك القدرة على الرد بصورة مؤثرة، تُدخل "إسرائيل" في دائرة ردود الأفعال التي قد تفضي إلى مواجهة مفتوحة، ويُعد جزءا من اختيارها لهذه الخلية كفرصة للنيل من الكل الفلسطيني بأسلوبها الخبيث، بالإضافة إلى رسائل أخرى أرادت إيصالها، وهي:
1. تعزيز قوة الردع "الإسرائيلية" التي بدأت تتآكل في الضفة الغربية جراء تزايد عمليات إطلاق النار في الآونة الأخيرة، وبالتحديد تلك التي ينفذها مسلحو شهداء الأقصى تجاه الحواجز، والمواقع العسكرية، رغم تأثيرها المحدود.
2. التأكيد الإسرائيلي على حرية عمل قوات جيشها في مناطق الضفة الغربية، بالتزامن مع الحديث عن تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية، وترميم العلاقة معها.
3. قمع الروح الجديدة وحالة التمرد المتصاعدة في الضفة، والتي برزت عقب العدوان الأخير على غزة في مايو 2021.
قلق "إسرائيلي"
شكلت هذه الخلية صداعاً شديداً لدى الأجهزة الأمنية "الإسرائيلية"، وكانت بمثابة القنبلة الموقوتة التي لا يعلم موعد انفجارها، وحجم الأضرار التي ستحدثها.
شارك في عملية المطاردة وجمع المعلومات وحدة مجلان من لواء الكوماندوز، ووحدة من لواء الناحال، بالإضافة إلى وحدات المراقبة وجمع المعلومات القتالية التابعة لفرقة الضفة الغربية، فضلاً عن المعلومات التي وفرها جهاز الشاباك.
حسب المزاعم "الإسرائيلية" فإن هذه الخلية كانت تعتزم تنفيذ هجوم ضد قوات الجيش، وذلك بعد أسبوع من قيامها بعملية إطلاق نار تجاه نقطة عسكرية عند أحد مداخل مدينة نابلس، سبقها يوم ٢٩ يناير الماضي قيامهم بمهاجمة آلية عسكرية على الطريق بالقرب من قرية تل، وفي ٢٧ من الشهر ذاته فتحت الخلية نيران أسلحتها على نقطة عسكرية بين مستوطنة ألون موريه ومستوطنة إيتمار. وقبلها بيومين أطلقت أعيرة نارية تجاه موقع عسكري في محيط نابلس، لم توقع هذه الهجمات خسائر في صفوف الجيش "الإسرائيلي"، ولكنها أربكت حساباته، وذلك لسببين:
الأول: هو التطور في الفعل المقاوم بالتركيز في استهدافه لقوات الجيش في الآونة الأخيرة، ما يعد بالنسبة للأخير خطاً أحمر لا يقبل المساس به.
الثاني: تحول هذا الفعل إلى ظاهرة في الأوساط الفلسطينية تدفع كل من يمتلك السلاح للقيام بفعل مشابه، وخاصة حين يدور الحديث عن أبناء التنظيم "كتائب شهداء الأقصى".
يتحرك نشطاء شهداء الأقصى حاملين أسلحتهم بحرية تامة في مدن الضفة الغربية ومخيماتها، كونهم يتبعون للحزب الحاكم، بالإضافة إلى اعتزالهم القيام بأنشطة معادية للاحتلال في السنوات الأخيرة، ولكن التغير الحاصل مؤخراً في توجهات بعض أفراد التنظيم يشكل تحدياً أمام الجيش، حيث أشار الكاتب "الإسرائيلي" تال ليف رام إلى أن الجيش"الإسرائيلي" يعمل بصورة منخفضة ضد مسلحي التنظيم، كجزء من التفاهمات مع السلطة الفلسطينية، أما في حالة هذه الخلية فهي استثنائية، وأغلب الظن أن الخلية يتم تمويلها من قبل الجهاد الإسلامي".
عامل آخر يثير مخاوف المنظومة الأمنية، وهو فقدان قدرة الحكم لدى أجهزة الأمن الفلسطينية في مناطق السلطة، بالإضافة إلى التعاون بين عناصر التنظيمات الأخرى، مثل: حماس والجهاد الإسلامي مع مسلحي شهداء الأقصى، والتنسيق فيما بينهم، ما ينذر بتطور العمل الفدائي، وانتقاله لاحقاً ليصبح أكثر تنظيماً وإيلاماً.
لماذا وحدة "يمام"
تتبع هذه القوة للشرطة "الإسرائيلية"، وتصنف على أنها الوحدة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وتحرير الرهائن، وتضم مقاتلين في الثلاثين من عمرهم، وقد سبق لهم الخدمة في وحدات النخبة التابعة للجيش، ويُعد اختيارها لتنفيذ هذه المهمة في الأوساط الإسرائيلية دليلا على أن المنظومة "الإسرائيلية" توليها ثقة عالية، خاصة بعد الفشل المتسلسل الذي أصاب وحدات لواء الكوماندوز في الجيش مؤخراً.
حيث أشاد وزير الأمن الداخلي عومر بار ليف بهذه العملية فور حدوثها، ونشر عبر حسابه على تويتر صورة تجمعه والمفوض العام للشرطة كوبي شبتاي بأفراد من قوة اليمام، وعقب بالقول: "أبارك لقوة اليمام الرائعة على هذا النجاح الإضافي".
يأتي هذا التفاخر من قبل الوزير في ظل الفضيحة المدوية التي حلت بالشرطة الإسرائيلية قبل أيام، بسبب استخدامها لتقنية بيغاسوس في التجسس على رؤساء مجالس بلدية، ونشطاء، ومواطنين إسرائيليين، ما أحدث ضجة كبيرة وحالة من السخط، في ظل تراجع نسبة من يثقون في الشرطة الإسرائيلية إلى 29% من الجمهور.
في المحصلة ينبغي التأكيد على أن نجاح القوة "الإسرائيلية" في تنفيذ الاغتيال لا يعد بطولة مطلقة في ظل تأمين دخول القوة وخروجها من المدينة، وتوفر هذا الكم الهائل من المعلومات، علاوة على سلوك أفراد الخلية المقاومة، الذي غلبت عليه الشجاعة، وعدم الاكتراث لما قد تقدم عليه إسرائيل، حيث اتخذوا إجراءات أمنية كلاسيكية، دون غطاء ودعم تنظيميين، بل كانوا ملاحقين من جهات عدة، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في تعقبهم واغتيالهم بهذه السهولة، ولو أتيحت لهم فرصة الاشتباك مع القوة الخاصة "يمام" لكانت النتائج مختلفة، وهو ما يوجب لزوم الحذر في مثل هذه الحالة بشكل يتلاءم وقدرات الطرف الآخر طالما هنالك تهديد قائم.