قراءة للأحداث الجارية اليوم السبت 18 يوليو 2026
شبكة الهدهد
أولاً: قراءة في المشهد الميداني والسياسي
- الأوضاع الميدانية والإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية
- تصاعد الضحايا والخرق المستمر للتهدئة: على الرغم من الحديث عن اتفاق لوقف إطلاق النار جرى في أكتوبر الماضي، إلا أن الميدان يشهد تصعيداً دموياً مستمراً؛ حيث وثّقت صحيفة "هآرتس" مقتل 274 طفلاً غزيّاً منذ وقف إطلاق النار، غالبيتهم العظمى عبر غارات الطيران المأهول والمسيّر. وفي غضون 72 ساعة الأخيرة، ارتقى أكثر من 25 شهيداً مدنياً جراء تكثيف قصف جيش العدو، وبلغت انتهاكات العدو لاتفاق وقف إطلاق النار أكثر من 3750 خرقاً منذ دخوله حيز التنفيذ.
- المجازر والعمليات العسكرية اليومية: شهد مخيم النصيرات (وسط القطاع) مجزرة مروعة استهدفت تجمعاً للمواطنين أثناء تشييع جنازة الشهيد "طاهر عبد الواحد" أمام مسجد الشيخ أحمد ياسين وفي سوق البلاطة، مما أسفر عن ارتقاء 8 شهداء وإصابة نحو 20 آخرين. وتنوعت العمليات العسكرية بين نسف المربعات السكنية (أربع عمليات نسف شرقي خان يونس)، وقصف مدفعي وجوي مكثف طال دير البلح، ورفح، وبيت لاهيا، وحي الشجاعية، بالتزامن مع إطلاق نار من الزوارق الحربية والمروحيات. كما طالبت مسيرات العدو سكان شرقي دير البلح بالإخلاء الفوري.
- البيانات الديموغرافية الأممية والتدمير الممنهج: تشير الإحصاءات الأممية إلى حجم النزوح والتركز السكاني الهائل؛ حيث باتت محافظة خان يونس تضم حوالي 715 ألف نسمة، والمحافظة الوسطى (دير البلح) 617 ألفاً، ومدينة غزة 673 ألفاً، في حين فرغت مناطق كاملة تماماً مثل بيت حانون، وخزاعة، وبني سهيلا، والشوكة (0 نسمة)، وبقيت رفح تضم 11,500 نسمة فقط.
- الضفة الغربية والقدس المحتلة: تشهد الضفة الغربية هجمة استيطانية واقتحامات متصاعدة؛ حيث يناقش العدو 9 مخططات استيطانية جديدة لإقامة 1024 وحدة على أكثر من ألف دونم. واقتحمت قوات العدو بلدات عدة في نابلس، والخليل، وطولكرم، وجنين (ميثلون)، وقلقيلية (عزون)، ورام الله (المغير)، تخللها اعتداءات للمستوطنين وإحراق أراضٍ. وفي القدس، طردت قوات العدو المصلين من مصلى باب الرحمة وصورت هوياتهم. في المقابل، استنكرت حركة حماس قيام الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية باعتقال الأسيرة المحررة الطبيبة شيماء أبو غالي في جنين، واصفةً الاعتقال السياسي بأنه "خدمة للاحتلال".
- الملف الإيراني-الأمريكي والإقليمي (حرب الإقليم المستعرة)
- الضربات الأمريكية المكثفة: نفّذت القيادة المركزية الأمريكية ضربات جوية وصاروخية ضد إيران لليلة السابعة على التوالي، مستهدفةً أهدافاً حيوية ومواقع مراقبة ومخازن أسلحة تحت الأرض وبنى تحتية للمواصلات (جسور وطرق) وقدرات بحرية، شملت مناطق: بندر عباس، بوشهر، الأهواز، يزد، لار، داراب، وجزيرتي قشم وهرمز.
وأسفرت الهجمات عن تدمير برج المراقبة البحرية في ميناء تشابهار وجزيرة لارك، ومقتل وإصابة العشرات من الإيرانيين. - الرد الإيراني واستهداف دول الخليج والمصالح الأمريكية: ردت إيران بقوة؛ حيث أطلقت صاروخاً باليستياً باتجاه قاعدة أمريكية في السعودية (في أول هجوم مباشر منذ 4 أشهر)، واستهدفت بمسيرات وصواريخ منشآت حيوية ومعسكرات تابعة للجيش الكويتي (مثل محطتي كهرباء وتقطير المياه وقاعدتي العديري وعلي السالم وجسور كويتية)، مما أدى لإطلاق صفارات الإنذار في الكويت والبحرين وتضرر منشآت طاقة كويتية. كما أعلن الحرس الثوري تدمير مستودع للزوارق المسيّرة الأمريكية ومركزاً رئيسياً للذكاء الاصطناعي تستخدمه واشنطن في البحرين.
- إغلاق مضيق هرمز وتهديد الملاحة: أعلن الحرس الثوري الإيراني أن مضيق هرمز أصبح "شديد الخطورة ومغلقاً بالكامل" بسبب الاعتداءات الأمريكية، مؤكداً انفجار ناقلتي نفط حاولتا العبور، وإيقاف 4 ناقلات أخرى. وهددت طهران بتدمير الأصول الصناعية والتقنية للشركات الغربية بالمنطقة إذا استمر استهداف جسورها.
- تبعات اقتصادية وعسكرية إقليمية: قفزت أسعار نفط برنت لتتجاوز 88 دولاراً للبرميل (بزيادة تجاوزت 20% خلال 15 يوماً). وفي العراق، هاجمت إيران مواقع لأحزاب كردية معارضة في السليمانية وأربيل، فيما تصدت الدفاعات الجوية للتحالف لمسيرات استهدفت القنصلية الأمريكية بأربيل. وفي الساحة اللبنانية، أُعلن عن بدء تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق الأمني بانتشار الجيش اللبناني في قريتي فرون والغندورية جنوب لبنان كمنطقة تجريبية أولى شمال الحزام الأمني الإسرائيلي.
- المشهد السياسي الداخلي للكيان
- حل الكنيست والانتخابات المبكرة: صادق الكنيست الـ25 برئاسة نتنياهو رسمياً بالقراءتين الثانية والثالثة على حل نفسه وتحديد موعد الانتخابات المقبلة في 27 أكتوبر 2026. وترافق ذلك مع دخول البلاد فترة "حكومة انتقالية"، مما دفع المستشارة القضائية للحكومة، "غالي بهراف-ميارا"، لتوجيه تعليمات صارمة للوزراء بضرورة ممارسة "ضبط النفس" والامتناع عن اتخاذ قرارات جوهرية غير عاجلة.
- حملة تشريعية مكثفة ومثيرة للجدل: شهد الأسبوع الأخير للكنيست تمرير قوانين وصفت بالاستفزازية لصالح الائتلاف اليمني والحريديم، ومنها: "قانون أساس دراسة التوراة"، وقانون يعفي المتهربين من الخدمة العسكرية من الاعتقال، وإلغاء إصلاح الكشروت، وقانون الفصل بين الجنسين في الأوساط الأكاديمية، وقانون تقليص صلاحيات المستشارين القانونيين للحكومة. وفي مقابل ذلك، أقر الكنيست تمديد الخدمة العسكرية الإلزامية النظامية إلى 32 شهراً (بموافقة أجزاء من المعارضة استجابة للمنظومة الأمنية)، فيما أكد رئيس شعبة الأفراد بالجيش أن هذا التمديد لا يلغي الحاجة لقانون تجنيد فعال وشامل لكافة أطياف المجتمع (الحريديم).
- احتقان شعبي واستطلاعات رأي سلبية: أظهر استطلاع رأي للقناة 12 غضباً عارماً لدى الجمهور؛ حيث يرى 64% أن أداء الكنيست المنحل كان ضعيفاً، و74% يعتقدون أن أعضاء الكنيست يعملون لمصالحهم الشخصية لا لمصلحة الجمهور. كما أبدى 67% معارضتهم لقوانين إعفاء الحريديم من التجنيد. وبخصوص التوجهات الانتخابية، تتقدم كتلة المعارضة بنسبة 49% مقابل 36% فقط لكتلة "ائتلاف نتنياهو".
- العلاقات الإسرائيلية-الأمريكية المأزومة وتجهيزات الحرب: كشف مسؤولون أمريكيون أن البيت الأبيض لم يحدد أي لقاء بين ترامب ونتنياهو، وأن ترامب غاضب من تدخل نتنياهو في صفقات السلاح الأمريكية-التركية (طائرات F-35)، مما أدى لإلغاء زيارة نتنياهو لواشنطن. ومع ذلك، طلبت واشنطن من كيان العدو استقبال عشرات طائرات التزويد بالوقود الأمريكية (إرسال 10 طائرات تهبط في مطار رامون) استعداداً لاحتمال توسيع القتال ضد إيران، وسط "مخاوف إسرائيلية" من شلل مطار بن غوريون والرحلات المدنية.
في سياق آخر، كُشف عن إحباط محاولة اغتيال عاجلة لأحد أفراد عائلة نتنياهو تم التخطيط لها عقب اغتيال علي خامنئي.
ثانياً: تقدير الموقف
انفجار المواجهة الإقليمية الكبرى (أمريكا وإيران): انتقل الصراع الإقليمي من حرب الحلفاء إلى صدام مباشر وعنيف لليلة السابعة على التوالي بين واشنطن وطهران. الضربات الأمريكية تجاوزت الحواف وباتت تستهدف العمق الإيراني والبنى التحتية، بينما ردت إيران بنقل المعركة إلى حلفاء واشنطن الإقليميين عبر قصف منشآت الطاقة والقواعد العسكرية في الكويت، والبحرين، والسعودية.
- سلاح الطاقة والملاحة كأوراق ضغط إيرانية: يمثل إغلاق مضيق هرمز بالكامل وزرع الألغام فيه وتدمير أو إيقاف ناقلات النفط ذروة التصعيد الإيراني. طهران تستخدم هذا السلاح لفرض كلفة اقتصادية باهظة على المجتمع الدولي (ارتفاع النفط بـ20%) لإجبار "إدارة ترامب" على وقف هجماتها، متبعة معادلة: "إذا حُرمنا من التصدير، فلن يُصدر أحد".
- التجهيز لسيناريو "الحرب الشاملة وضرب النووي": إرسال الولايات المتحدة لعشرات طائرات التزويد بالوقود إلى الكيان (وتحديداً هبوطها في مطارات عسكرية مثل مطار رامون لتجنب شلل الملاحة المدنية بالكامل) يشير إلى أن "إدارة ترامب" تدرس بجدية خيار "الضربة الكبرى" التي قد تستهدف المنشآت النووية العميقة (مثل جبل هامكوش) والبنى التحتية الحيوية في إيران، وأن "إسرائيل" يُراد لها أن تكون قاعدة الدعم اللوجستي أو الشريك الاستراتيجي في هذا الهجوم.
- توظيف الميدان في غزة كغطاء وتثبيت ديموغرافي: يوضح استمرار القصف والمجازر اليومية (مجزرة النصيرات) وعمليات النسف المتكررة شرقي خان يونس أن إسرائيل تستغل الانشغال الإقليمي بملف إيران لتثبيت واقع عسكري جديد على الأرض. وضع البوابات العسكرية (مثل بوابة طريق الرشيد بمواصي رفح) وتقسيم القطاع ديموغرافياً يعكس رغبة الجيش في فرض "حزام أمني" دائم ومنع عودة السيطرة المدنية أو العسكرية لحماس.
- تآكل الشرعية السياسية لنتنياهو داخلياً وخارجياً: يظهر استطلاع "الرأي الإسرائيلي" عمق الفجوة بين الائتلاف الحاكم و"الجمهور الإسرائيلي" الذي يرفض تشريعات "الهروب من التجنيد" والفساد السياسي. حل الكنيست والذهاب لانتخابات مبكرة يأتي في ذروة تراجع شعبية نتنياهو، يقابله برود جلي من إدارة ترامب التي رفضت استقباله في واشنطن بسبب تصريحاته حول تركيا، وتصويت نصف النواب الديمقراطيين ضد "مساعدات إسرائيل" كرسالة مبطنة ضد شخص رئيس وزراء العدو.
- الضفة الغربية على فوهة بركان: التوسع الاستيطاني غير المسبوق (9 مخططات جديدة) واعتداءات المستوطنين بحماية الجيش تزيد من وتيرة الاحتقان. كما أن استمرار الاعتقالات السياسية من قبل السلطة الفلسطينية (مثل قضية الطبيبة شيماء أبو غالي) يزيد من حالة الشرخ الداخلي الفلسطيني والاحتقان الشعبي ضد السلطة، مما يجعل المشهد مرشحاً للانفجار في أي لحظة.
ثالثاً: خلاصة تحليلية شاملة
يمر الشرق الأوسط بمنعطف تاريخي يعيد رسم خريطة الصراع الإقليمي والدولي؛ حيث تهاوت "قواعد الاشتباك" التقليدية وتحولت إلى مواجهة مباشرة ومفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران. إدارة ترامب تبدو مندفعة نحو تغيير استراتيجي جوهري عبر ضرب البنية التحتية والنووية لإيران، مستعينة بإعادة تموضع عسكري كثيف في المنطقة وإرسال طائرات التزويد بالوقود إلى إسرائيل. في المقابل، تتبنى طهران استراتيجية "الأرض المحروقة" اقتصادياً وأمنياً من خلال شل الملاحة في مضيق هرمز بالكامل، واستهداف منشآت الطاقة والقواعد العسكرية في دول الخليج (الكويت، البحرين، السعودية) للضغط على واشنطن.
وفي غمرة هذا الصدام الإقليمي، يستفرد "العدو الإسرائيلي" بقطاع غزة والضفة الغربية؛ إذ تُستغل الحرب الإقليمية لتنفيذ خطط قضم الأراضي، والتدمير الممنهج، والخرق الشامل لتهدئة أكتوبر، والتحكم بالتركيبة الديموغرافية عبر التهجير الداخلي ووضع البوابات والحدود الأمنية.
أما على "الصعيد الإسرائيلي" الداخلي، فقد أدى هذا الضغط العسكري متعدد الجبهات إلى تمرير قوانين ائتلافية لخدمة مصالح الائتلاف اليميني والحريديم قبل حل الكنيست والذهاب لانتخابات أكتوبر 2026 المبكرة. هذا السلوك التشريعي عمّق من أزمة الثقة الشعبية في "المؤسسة السياسية الإسرائيلية" وجعل الائتلاف الحاكم في موقف انتخابي ضعيف أمام المعارضة.
وبالمثل فإن الفتور الحالي بين ترامب ونتنياهو يشير إلى أن الإدارة الأمريكية تفضل إدارة الحرب الإقليمية مباشرة وفق مصالحها الخاصة، دون السماح لـ "نتنياهو" بفرض أجندته السياسية أو التشويش على التحالفات الأمريكية الأخرى (مثل العلاقة مع تركيا).
بناءً على ما تقدم، يتجه الموقف نحو سيناريوهين: إما نجاح الضغط العسكري والاقتصادي (بسبب شلل صادرات النفط) في الدفع نحو مفاوضات عاجلة تحت النار لإعادة صياغة الاتفاقات الإقليمية، أو الانزلاق نحو حرب شاملة مدمرة تخرج عن نطاق السيطرة وتطال المنشآت النووية الإيرانية وكافة مصادر الطاقة في الخليج العربي.