سباق الليزر.. ثورة دفاعية واعدة تصطدم بعقبات الواقع
ترجمة الهدهد
سجّلت الأيام الأخيرة من المواجهة العسكرية مع إيران إحصائية صادمة للمنظومة الأمنية للعدو؛ فقد ادعي جيش العدو نجاح ربع الصواريخ المطلقة فقط في اختراق شبكة الدفاع الجوي المتطورة للكيان.
هذا الخرق غير المسبوق منذ هجمات 7 أكتوبر 2023 بحسب العدو، كشف عن تحول استراتيجي خطير؛ فبعد عقود من الاعتماد المطلق على "القبة الحديدية"، واجهت المنظومة الدفاعية خلال العام ونصف العام الماضيين استنزافاً حاداً على الصعد الاستراتيجية، التكنولوجية، والاقتصادية.
وتكمن المعضلة الأساسية في أن الصواريخ الاعتراضية المخصصة للتصدي للصواريخ الباليستية في الطبقات العليا من الغلاف الجوي -مثل منظومة "حيتس" "الإسرائيلية" أو "ثاد" الأمريكية- باهظة الثمن ومعقدة الإنتاج، ما أدى وفقاً لتقرير صحيفة وول ستريت جورنال إلى نفاد مخزونها تحت ضغط جولات القتال المستمرة، وفتح ثغرات واسعة سمحت بزيادة معدلات الاختراق وتعاظم الأضرار المادية.
معضلة المسيرات الرخيصة وغياب الجاهزية
لم يقتصر التهديد على الصواريخ الباليستية الثقيلة، بل تفاقم مع تدفق الطائرات الانقضاضية.
- ميدان لبنان: تحولت الطائرات الانقضاضية المشغّلة عبر الألياف الضوئية إلى كابوس حقيقي لجنود العدو، في محاكاة لسيناريو الحرب الأوكرانية.
- فجوة الجاهزية: بدا جيش العدو غير مستعد لحجم هذا التهديد رغم التحذيرات الاستخباراتية المسبقة، مما دفع الجنود والمستوطنين للاستعانة بمجموعات "واتساب" لتأمين شباك حماية بدائية لسد النقص الميداني.
هذا الواقع المأزوم أعاد توجيه الأنظار نحو التكنولوجيا التي انتظرها العالم لعقود: أشعة الليزر التكتيكية، الواعدة باعتراض التهديدات بكلفة لا تتعدى بضعة دولارات للشعاع الواحد.
التطور التكنولوجي: كيف يعمل الليزر الحديث؟
أنفقت القوى العظمى، وفي مقدمتها واشنطن، مليارات الدولارات منذ سبعينيات القرن الماضي لتطوير أسلحة الطاقة الموجهة. ورغم تعثر مشاريع تسعينيات القرن الماضي (مثل نظام "نوتيلوس" المشترك) بسبب معوقات التمويل والتكنولوجيا، حقق المجال قفزة نوعية مؤخراً بفضل:
- مصادر إنتاج طاقة أكثر كفاءة وأنظمة متطورة لتبديد الحرارة.
- الاعتماد على ألياف البصريات وليزر الحالة الصلبة لتوليد أشعة عالية التركيز.
- آلية الاعتراض القائمة على تسخين الهدف أثناء حركته حتى إحداث "انهيار هيكلي" (انفجار أو تحطم) في ثوانٍ معدودة.
المعادلة الاقتصادية لليزر: طالما استمر تدفق الكهرباء فإن "ذخيرة" الليزر لا تنضب، فضلاً عن تحركه بسرعة الضوء، مما يجعله السلاح المثالي نظرياً لمواجهة الصواريخ فرط الصوتية التي تتجاوز سرعاتها 5 ماخ.
خريطة السباق العالمي نحو "الكيلوواط"
تحول الليزر من أروقة المختبرات إلى ميادين القتال عبر حراك دولي محموم لتطوير القدرات:
|
الدولة |
المنظومة / الطراز |
القدرة الطاقية |
المدى والمنصة المستهدفة |
|
كيان العدو |
الشعاع الحديدي (M) / أور إيتان |
50 - 100 كيلوواط |
مداه من عدة كيلومترات إلى 10 كم، محمول على شاحنات وسفن لاعتراض المقذوفات والمسيرات. |
|
الولايات المتحدة |
LOCUST LWS / HELIOS / JLWS |
35 - 300 كيلوواط |
مدمج على مدمرات، ناقلات "سترايكر"، وأنظمة مخصصة لاعتراض صواريخ كروز. |
|
الصين |
LY-1 / Silent Hunter / Shen Nung |
50 - 200 كيلوواط |
أنظمة برية وبحرية، صُدِّر بعضها للمملكة العربية السعودية وإيران. |
|
بريطانيا |
DragonFire |
~ 50 كيلوواط |
مخصص للنشر على المدمرات البحرية. |
اختبار الواقع: "ليزر على ورق" وعقبات بيئية قاتلة
رغم الهالة الدعاية، أثبتت المواجهة المباشرة مع إيران أن ثورة الليزر لا تزال عاجزة عن حسم المعركة ميدانياً؛ إذ لم يُسجل أي اعتراض مؤكد للصواريخ بالليزر في عملية "زئير الأسد"، وظلت مسيرات وصواريخ حزب الله تخترق الأجواء يومياً.
ويعزو الخبراء هذا القصور إلى تحديات تقنية وبيئية قاسية كشفت عنها التجارب الدولية:
- أزمة مركبات "سترايكر" الأمريكية: واجه الجيش الأمريكي صعوبات بالغة في دمج نظام ليزر بقدرة 50 كيلوواط على مركبات مدرعة بسبب الاهتزازات على الطرق الوعرة، ومشاكل تبديد الحرارة، وتعقيد الأنظمة الإلكترونية.
- الفشل في الصحراء السعودية: تلقى نظام "الصياد الصامت" (Silent Hunter) الصيني الصنع انتقادات حادة من عسكريين؛ حيث استغرق الليزر في بعض الحالات ما بين 15 إلى 30 دقيقة لتركيز الشعاع وإسقاط مسيرة واحدة. كما تسببت الحرارة العالية، والأتربة، والرمال في تلف العدسات، مما جعل نظام التبريد يستهلك طاقته بالكامل لتبريد نفسه بدلاً من الإطلاق.
الحدود الفيزيائية لتقنية القياس التقليدية
يؤكد الدكتور "يهوشوا كاليسكي" (الباحث في معهد دراسات الأمن القومي) أن التحدي الفيزيائي لليزر يكمن في تأثره المباشر بالظروف الجوية كالأمطار، الرطوبة، والغبار التي تشتت الشعاع. كما أن الأنظمة الحالية تهدر الطاقة (تتحول 30% فقط من الطاقة إلى شعاع فعال)، وتتطلب ما بين 10 إلى 15 ثانية من التتبع الدقيق لهدف مناور، حيث إن أي انحراف بمقدار جزء من ألف من الدرجة يترجم إلى خطأ بمسافة 50 متراً عند المدى البعيد. وللتصدي للصواريخ الباليستية، يحتاج العالم إلى قفزة من مستوى "الكيلوواط" الحالي إلى مستوى "الميغاواط".
ابتكارات ناشئة: من التسخين إلى "الثقب النبضي"
لمواجهة هذه القيود، اتجهت شركات تكنولوجية إلى تغيير فلسفة الاعتراض؛ حيث طوّرت الشركة الناشئة في كيان العدو "آش-تك" (Ash-Tech) نظاماً يُدعى "درون لايت" (Drone Light).
- آلية العمل: لا يعتمد النظام على تسخين الهدف، بل يطلق نبضات سريعة جداً في الثانية (بقدرة منخفضة تبلغ 4 كيلوواط فقط مستمدة من بطارية الشاحنة أو ناقلة الجنود الألمانية FFG PMMC G5).
- الميزة التكتيكية: يقوم النظام بعمل ثقوب متعددة ومتتالية في هيكل المسيرة (تُشبه طلقات البندقية)، مما يختصر زمن الاعتراض إلى ثانية أو ثانيتين فقط، ويمنح المنظومة قدرة فائقة على تحطيم أسراب المسيرات عند مدى يتراوح بين 500 متر وكيلومتر واحد.
وفي منحى آخر، يبرز خيار الاعتماد على تكنولوجيا الموجات الدقيقة (Microwave) عبر أشعة كهرومغناطيسية متفرقة تغطي مساحات واسعة لصهر وإتلاف الإلكترونيات الداخلي للمسيرات دفعة واحدة، وهو المسار الذي تطوره شركات أمريكية مثل "إبيروس".
الخلاصة
أثبتت المعارك الحديثة أن أسلحة الليزر والموجات الدقيقة -رغم ثوريتها الاستشرافية- لن تكون حلاً سحرياً منفرداً، بل هي بمثابة "طبقة دفاعية إضافية" دنيا. وتظل كفاءة هذه الأنظمة مرهونة بالاندماج الكامل مع شبكات الرادار، وأجهزة الاستشعار، وبطاريات الصواريخ التقليدية لتخفيف العبء المالي والعسكري عن المقذوفات الاعتراضية الباهظة.
المصدر: "ذا ماركر"/ "عوديد يارون"